منتــــدى أبنـــاء السلــــــــف

منتــــدى أبنـــاء السلــــــــف


 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثدخولالتسجيل

شاطر | 
 

 تعليق شيخ الإسلام على رسالة الغنية في أهل الكلام للخطابي 2 الشيخ العبيلان

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الفارس
إداري
إداري
avatar

ذكر عدد الرسائل : 1160
السٌّمعَة : 13
نقاط : 2574
تاريخ التسجيل : 08/02/2009

مُساهمةموضوع: تعليق شيخ الإسلام على رسالة الغنية في أهل الكلام للخطابي 2 الشيخ العبيلان   الخميس أغسطس 06, 2009 8:52 pm

قال الخطابي: [فلم ينته أهل التعمق من المتكلمين حتى تكلموا في الروح, وتكلموا في القدر والتعديل, والتجوير, وتكلموا في النفس, والعقل وما بينهما, وتكلموا في أشياء لا تعنيهم, ولا تجدي عليهم شيئا, كالكلام في الجزء والطفرة, وما أشبه ذلك من الأمور التي لا طائل لها, ولا فائدة فيها, فزجر العلماء عن الخوض في هذه الأمور, وخافوا فتنتها والخروج منها إلى ما يفضي بالمرء إلى أنواع من المكروه من الأقوال الشنعة, والمذاهب الفاسدة, ورأوا أن يقتصروا من الكلام على ما انتهى إليه بيان الدين, وتوقيف الشريعة].

قــلـت: فقد ذكر الخطابي في الكلام المذموم ما لا يدركه الإنسان بعقله, وما لا فائدة فيه, وما لا يدركه الإنسان بعقله إذا تكلم فيه, تكلم بلا علم, والكلام بلا علم ذمه الله في كتابه, وما لا فائدة فيه هو من باب ما لا يعني الإنسان, ولا يفيده, ومن باب العلم الذي لا ينفع, وقد استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم من علم لا ينفع.
ولهذا يُقالُ: العلمُ ما قام عليه الدليل, والنافع منه ما جاء به الرسول.
وهذان النوعان: هما اللذان يذكرهما أبو حامد, وغيره في وصف غير العلوم الشرعية, فيقول: هي بين علوم صادقة لا منفعة فيها, ونعوذ بالله من علم لا ينفع, وبين ظنون كاذبة لا ثقة بها, وإن بعض الظن إثم فالأول: كالعلم بدقائق الهيئة, وحركات الكواكب, وغير ذلك مما هو بعد التعب الكثير لا يفيد إلا تضييع الزمان, وتعذيب الحيوان.
والثاني: كالعلم بأحكام النجوم التي غالبها ظنون, لا تغني من الحق شيئا, والخطأ فيها أكثر من الصواب, والكذب فيها أكثر من الصدق.
وهذان النوعان غير ما ذكر أولا: ذمه لما فيه من الخطر, والعسر, والعجز, وهذه الثلاثة غير ما هو كذب في نفسه, وباطل, فإن هذا هو الكلام المذموم في نفسه, فما كان كذبا غير مطابق للحق فهو مذموم في نفسه, بخلاف ما فيه عسر وهو حق, فإن هذا وإن ذم من وجه فقد يحمد من وجه آخر, بخلاف ما لا يدركه الإنسان, أو ما لا فائدة فيه, فإن هذا قد يقال إن مضرته تضييع الزمان من جنس اللعب واللهو الذي لا ينفع, أو من جنس البطالة, وتضييع الزمان لكن متى أفضى بصاحبه إلى اعتقاد الباطل حقا, والكذب صدقا, كان من القسم المذموم بنفسه, وكل كلام ناقض نصوص الأنبياء فإنه من الكلام المذموم بنفسه, وهو باطل قطعا.
وأما قوله: وتكلموا في الروح, والقدر, والتعديل, والتجوير, والعقل, والنفس فقد يظن أن الكلام في هذا مذموم مطلقا, وليس كذلك, بل الكلام في ذلك وغيره بالحق النافع لا يذم, وإنما يذم الكلام الباطل, والكلام بلا علم, والكلام الحق لمن يعجز عن معرفته.
كما قال ابن مسعود رضي الله عنه: [ما من رجـل, يحدث قوما حــديثا لا تبلغه عقـــولهم, إلا كان فتنة لبعضهم], وقال علي رضي الله عنه: [حدثوا الناس بما يعرفون, ودعوا ما ينكرون, أتريدون أن يكذب الله ورسوله]. وأما الكلام الحق النافع فهو محمود غير مذموم.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الفارس
إداري
إداري
avatar

ذكر عدد الرسائل : 1160
السٌّمعَة : 13
نقاط : 2574
تاريخ التسجيل : 08/02/2009

مُساهمةموضوع: تابع   الخميس أغسطس 06, 2009 8:54 pm

قال الخطابي: [ثم إن الكتاب والسنة لم يستوفيا بيان جميع ما يحتاج الناس إليه, نصا وتسمية فاحتجنا إلى انتزاع أحكام الحوادث في ضمن الأسماء, والنصوص من طريق المعاني والمعقول من النصوص فاستنبطه العلماء, وتكلموا فيه من طريق القياس, ولم يتجاوزوه إلى الكلام فيما لا أصل له من الكتاب والسنة, ولم يتعرضوا لما ورد الكتاب ثم السنة بالزجر عنه, وعن الخوض فيه وكان هذا موضع الفرق بين الكلامين.
قال: وقد أشار الشافعي إلى هذه الجملة, وأبان عنها, بما زجر عنه من النظر في الكلام, وعابه من مذاهب المتكلمين, وبما زجر عنه من التقليد, وجب عليه من النظر, والاستدلال فعلمنا أن الذي زجر عنه, ليس هو الذي أمر به, وتبينا أن له في الأصول مذهبا ثالثا, ليس بالتقليد, ولا بالتجريد لمذاهب المقتحمين في غمرات الكلام, والخائضين في أوديته, وإنما هو الاستدلال بمعقول أصول الدين التي مرجعها إلى علوم الحس, ومقدماتها, والنظر المتعلق بالأصول التي هي الكتاب والسنة الصحيحة التي ينقطع العذر بها.
قال: ونحن لم نعد فيما أوردناه من الكلام في كتاب شعار الدين, هذه الجملة, وإن كان الذي عبناه في مسألة الغنية عن الكلام هو المذهب الآخر الذي تقدم ذكرنا له, وهو مذهب الغلو والإفراط, وما يقابله من مذاهب من يرى التقليد, ولا يقول بحجج العقول, فهو في التفريط والتقصير مواز, لمذاهب المتكلمين في الغلو والإفراط, والطريقة المثلى هي القصد والاعتدال وهو ما نختاره ونذهب إليه.
قال: وسبيل ما نأتيه ونذره من هذا الباب سبيل القياس, فإنا نستعمله في مواضع, ونأباه في مواضع, فلا يكون ذلك مِنَّا مناقضة, وكذلك ما نطلقه من جواز الكلام في موضع, وكراهته في موضع آخر.
والأصل في مذاهب الناس كلهم ثلاث مقالات: القول بالحس حسب, وهو مذهب الدهرية, فإنهم قالوا بما يدركه الحس, ولم يقولوا بمعقول, ولا خبر.
وقال قوم: بالحس, والمعقول, حسب, ولم يقولوا بالخبر, وهو مذهب الفلاسفة, لأنهم لا يثبتون النبوة.
وقال أهل المقالة الثالثة: بالحس, والنظر, والأثر, وهم جماعة المسلمين, وهو قول علمائنا وبه نقول ].

قلت: تفصيل مقالات الناس مبسوط في غير هذا الموضع, فإن الدهرية لا تنكر جنس المعقول بل تنكر من المعقول ما لا يكون جنسه محسوسا, وهذا فيه كلام مبسوط في غير هذا الموضع وإنما كفروا بإنكارهم الغيب الذي أخبرت به الرسل, والفلاسفة أيضا لا تنكر جنس الخبر, بل تقول بالأخبار المتواترة, وغيرها, ولكن ينكرون استفادة الأمور الغائبة بأخبار الأنبياء, وهم قد يعظمون الأنبياء صلوات الله عليهم, ويوجبون إتباع شرائعهم, ويأمرون بقتل من يخرج عنها لكن يجعلون مقصودها هو إقامة مصالح الناس في دنياهم بالعدل الذي شرعته الأنبياء.

وأما الأمور الإلهية, والمعاد, ونحو ذلك: فيزعمون أنهم لم يخبروا عنها بما يحصل به العلم ولكن خاطبوا الناس فيه, بطريق التخييل, وضرب المثل الذي ينتفع به الجمهور, وحقيقة قولهم هو ما ذكره الخطابي: من أنهم لا يجعلون خبر الأنبياء طريقا إلى العلم, وقد ذكرنا من كلام من دخل معهم في هذا الأصل الفاسد من المنتسبين إلى المسلمين, ما تبين به هذا الأصل, وبينا من ضلالهم, وكذبهم في هذا القول ما قد بسط في موضعه.
وأما ما ذكره الخطابي: [ من القياس, والاعتبار في الأحكام الشرعية, وأن الكتاب والسنة لم يستوفيا بيان جميع ما يحتاج إليه الناس نصا ].
فهذا كلام في القياس العملي الشرعي, وهو مبسوط في موضعه.
والناس في هذا بين إفراط, وتفريط: كما هم كذلك في القياس العقلي الخبري, فطائفة تزعم أن أكثر الحوادث لا تتناولها النصوص, بل إنما تعلم بالقياس, وطائفة بآرائهم يزعمون أن القياس كله باطل, حتى يردون الاستدلال المسمى بتنقيح المناط, ويردون قياس الأولى, وفحوى الخطاب, والعلة المنصوصة, ويرجعون إلى العموم, واستصحاب الحال.
وكل من الطائفتين مخطئة, غالطة.
فإن الطائفة الأولى: بخست الكتاب والسنة حقهما, وقصرت في معرفتهما, وفهمهما واعتصمت بأنواع من الأقيسة الطردية, التي لا تغني من الحق شيئا, أو بتقليد قول من لا تعرف حجة قائله.
وكثيرا ما تجد هؤلاء إذا فتشت حجتهم, إنما هي مجرد دعوى بأن يظن أحدهم أن الحكم الثابت في الأصل معلق بالوصف المشترك, من غير دليل يدله على ذلك, بل بمجرد اشتباه قام في نفسه, أو بمجرد استحسان, ورأي ظن به أن مثل ذلك الحكم ينبغي تعليقه بذلك الوصف.
وأحدهم يبني الباب على مثل هذه القواعد التي متى حوقق عليها سقط بناؤه, وربما تمسكوا من الآثار الضعيفة, بما يعلم أهل المعرفة بالأثر أنه من الموضوع المكذوب, فضلا عن أن يكون من كلام المعصوم, وقد يتمسكون بما يظهر لهم من ألفاظ المعصوم, ولا تكون دالة على ما فهموه
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الفارس
إداري
إداري
avatar

ذكر عدد الرسائل : 1160
السٌّمعَة : 13
نقاط : 2574
تاريخ التسجيل : 08/02/2009

مُساهمةموضوع: تابع   الخميس أغسطس 06, 2009 8:55 pm

وأما الطائفة الثانية: فتعتصم من استصحاب الحال, ونفي الحكم, لعدم دليله في زعم أحدهم مع ظهور الأدلة الشرعية, بما يبين به فساد قولها, ويفرق بين المتماثلين تفريقا لا يأتي به عاقل, فضلا عن نبي معصوم, وتجمد على ما تراه ظاهر النص مع خطائها في فهم النص, ومراد قائله, وتسلب الشريعة حكمها, ومحاسنها, ومعانيها, وتضيف إلى الله ورسوله من الحكم المنافي للعدل, والإحسان ما يجب أن ينزه عنه الملك العادل, والرجل العاقل.
والناس كلهم متفقون على الاجتهاد, والتفقه الذي يحتاج فيه إلى إدخال القضايا المعينة, تحت الأحكام الكلية العامة, التي نطق بها الكتاب والسنة, وهذا هو الذي يسمى: تحقيق المناط, كالاجتهاد في تعيين القبلة عند الاشتباه, والاجتهاد في عدل الشخص المعين, والنفقة بالمعروف للمرأة المعينة, والمثل لنوع الصيد أو للصيد لمعين, والمثل الواجب في إتلاف المال المعين وصلة الرحم الواجبة, ودخول أنواع من المسكرات في اسم الخمر, وأنواع من المعاملات في اسم الربا, والميسر, وأمثال ذلك, مما فيه إدخال أعيان, تحت نوع وإدخال نوع خاص تحت نوع أعم منه.
فهذا الاجتهاد مما اتفق عليه العلماء, وهو ضروري في كل شريعة, فإن الشارع غاية ما يمكنه بيان الأحكام بالأسماء العامة الكلية, ثم يحتاج إلى معرفة دخول ما هو أخص منها, تحتها من الأنواع والأعيان.

وقد احتج من احتج من الأئمة المثبتين للقياس عليه بمثل هذا القياس, وأن القرآن العزيز, ورد بمثل هذا في القبلة, وجزاء الصيد, وعدل الشخص, ونحو ذلك, وهذا لا حجة فيه, فإن مثل هذا لا نزاع فيه, وهو ضروري لا بد منه, ولا يمكن إثبات حكم النوع, أو عين إلا بمثل هذا.

ونفاة القياس: لا يسمونه قياسا, وإن سماه المسمى قياسا كان نزاعا لفظيا.
والتحقيق: أن دخول الأعيان في المعنى العام الذي دل عليه الخطاب, هو من قياس الشمول, وأن تمثيل بعض الأعيان والأنواع ببعض, هو من قياس التمثيل, لكن شمول اللفظ لهذا, ولهذا بطريق العموم يغني عن قياس التمثيل.
ونفاة القياس المعروفون بالسنة, لا ينازعون في العموم, وإن سماه المسمى قياسا كليا, بل هو عمدتهم, وعصمتهم هو, واستصحاب الحال, فهذا نوع, ومن نازع في القياس والعموم جميعا كما فعل ذلك من فعله من الرافضة فهؤلاء سدوا على أنفسهم طريق معرفة الأحكام, فلهذا يحتجون بما يزعمون أنه قول المعصوم, ومن الناس من يظن أن العلة المنصوصة هي المسماة بتحقيق المناط, وهي داخلة فيه, وليس كذلك, فإن هذه فيها نزاع.

وهنا نوع ثان يسمى تحقيق المناط: وهو أن يكون الشارع قد نص على الحكم في عين معينة, وقد علم بالنص والإجماع أن الحكم لا يختص بها, بل يتناولها, وغيرها, فيحتاج أن ينقح مناط الحكم, أي: يميز الوصف الذي تعلق به ذلك الحكم, بحيث لا يزاد عليه, ولا ينقص منه.

وهذا كأمره صلى الله عليه وسلم للأعرابي الذي استفتاه لما جامع امرأته في رمضان بالكفارة, ثم لما أتى بالعرق, قال: أطعمه أهلك, وأمره لمن سأله عن فأرة وقعت في سمن: بأن تلقى وما حولها, ويأكل السمن, وأمره لمن سأل عمن أحرم بعمرة وعليه جبة وهو متضمخ بخلوق: أن ينزع عنه الجبة, ويغسل الخلوق ويصنع في عمرته ما كان صانعا في حجته, وأمره لمن ابتاع صاعا جيدا من التمر بصاعين من الرديء: أن يبيع الرديء بدراهم, ثم يبتاع بها جيدا, ومثل أمره لبريرة لما عتقت: أن تختار, ومثل: رجمه لماعز والغامدية, وقطعه لسارق: رداء صفوان, والمخزومية وغيرهما, وأمثال ذلك.

فإنه من المعلوم, لجميع العلماء: أن حكم النبي صلى الله عليه وسلم ليس مخصوصا, بتلك الأعيان, بل يتناول ما كان مثلها, لكن يحتاجون إلى معرفة: مناط المشترك الذي به علق الشارع الحكم.

وهذا قد يكون ظاهرا, وقد يكون خفيا, فالظاهر مثل كون سبب الرجم: هو زنا المحصن, وسبب القطع: هو السرقة, والخفي مثل كون الكفارة: وجبت لخصوص الجماع, أو لعموم الإفطار, وهل وجبت لنوع من الإفطار, أو لجنسه, وهل وجب لوقاع في صوم صحيح في رمضان, أو لوقاع في صوم واجب في رمضان, سواء كان صحيحا, أو فاسدا, كما يجب في الإحرام الواجب, سواء كان صحيحا, أو فاسدا, فهذا مما تنازع فيه الفقهاء.

وكذلك لما أجاب عن الفأرة التي وقعت في السمن, فلا ريب: أن الحكم ليس مخصوصا بتلك الفأرة والسمن, ولا بنوع من الفأر, ونوع من الأسمان, فلا بد من إثبات حكم عام, وهذا النوع يقر به كثير من منكري القياس, أو أكثرهم, وكثير من الفقهاء. لا يسميه قياسا. بل يثبتون به الكفارات. والحدود. وإن كانوا لا يثبتون ذلك بالقياس. فإنه هنا قد علم يقينا أن الحكم ليس مخصوصا بمورد النص, فلا يجوز نفيه عما سواه بالاتفاق, كما يمكن ذلك في صور القياس المحض, المسمى: بتخريج المناط, فإنه لما نهى عن التفاضل في الأصناف الستة, لم يعلم أن حكم غيرها حكمها, إلا بدليل يدل على ذلك, ولهذا كان بعض نفاة القياس, لما حكموا في مثل هذا, بأن الحكم مخصوص بفأرة, وقعت في سمن, دون سائر الميتات, والنجاسات الواقعة في سائر المائعات, ظهر خطاؤهم يقينا, فإن الشارع صلوات الله عليه, لم يعلق الحكم في خطابه بفأرة وقعت في سمن, ولكن السائل سأله عن ذلك, والسائل: إذا سأل عن حكم عين معينة, أو نوع باسمه, لم يجب أن يكون الحكم معلقا, مختصا بما سأل عنه السائل, بل قد يكون ما سأل عنه السائل داخلا في حكم عام, كما أنه إذا سئل عن عين معينة, لم يكن الحكم مخصوصا بتلك العين, ولا فرق بين أن يسأل عن عين, أو نوع, فليس في جوابه ما يقتضي اختصاص الحكم بمورد السؤال, فهذا من أعظم الغلط.

وهنا يظهر: تفاضل العلماء بما آتاهم الله من العلم, فمن استخرج المناط الذي دل عليه الكتاب والسنة, دل على فهمه لمراد الرسول صلى الله عليه وسلم, مثل أن يقول القائل: الحكم هنا ليس متعلقا بمجرد الميتة, بل بالخبيث الذي قال الله فيه: [وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ]. {الأعراف:157}
شاركت الخنزير, والدم في التحريم, فقد شمل الجميع: اسم الخبيث, فالتحريم متناول للوصف العام, ليس مخصوصا بنوع من الأنواع, وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم, ليس فيه دليل على الاختصاص بنوع, لتعلق الحكم بالوصف العام المشترك, وهو الخبث.
فيكون الخبيث الجامد: الواقع في السمن, حكمه حكم الفأرة, سواء كان دما, أو ميتة متجسدة, ونحو ذلك, ثم ينظر في السمن, فيعلم أنه لا اختصاص في الشرع له بذلك, بل سائر الأدهان, كذلك, ثم سائر المائعات كذلك.
ثم يبقى النظر: هل يفرق بين الماء وسائر المائعات, أو يسوى بينهما, وهل يفرق بين الجامد, والمائع, أو يسوى بينهما, وهل يفرق بين القليل والكثير, أو يسوى بينهما, هذا من المواضع الخفية التي تنازع فيها العلماء.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الفارس
إداري
إداري
avatar

ذكر عدد الرسائل : 1160
السٌّمعَة : 13
نقاط : 2574
تاريخ التسجيل : 08/02/2009

مُساهمةموضوع: النهاية   الخميس أغسطس 06, 2009 8:57 pm

والمقصود هنا: أن مثل هذا لا يرده إلا جهلة, نفاة القياس, وكذلك العلة المنصوصة, وكذلك القياس في معنى الأصل, وقياس الأولى, وأما القياس الذي يستخرج علة الأصل فيه بالمناسبة: فهذا محل اجتهاد, ولهذا تنازع الفقهاء القياسون, من أصحاب أحمد وغيرهم في ذلك, فمنهم من لا يقول إلا بالعلة المنصوصة, ومنهم من يقول بالمؤثر: وهو ما نص على تأثيره, في نظير ذلك الحكم, كالصغر, فإنه قد علم أن الشارع علق به ولاية المال, فإذا علق به ولاية النكاح, كان هذا إثباتا لعلة هذا الحكم بنظيره المؤثر, وأما إذا لم يكن مؤثرا, فهو الذي يسمونه المناسب الغريب, وفيه قولان مشهوران, فإنه استدلال على أن الشرع علق الحكم بالوصف, لمجرد ما رأيناه في المصلحة.

ومن تدبر الأدلة الشرعية منصوصها, ومستنبطها, تبين له أن القياس الصحيح: هو التسوية بين المتماثلين, وهو من العدل الذي أمر الله به ورسوله, وأنه حق لا يجوز أن يكون باطلا, فإن الرسول صلى الله عليه وسلم بعث بالعدل, فلم يسو بين شيئين في حكم, إلا لاستوائهما, فيما يقتضي تلك التسوية, ولم يفرق بين اثنين في حكم, إلا لافتراقهما فيما يقتضي ذلك الفرق, ولا يجوز أن يتناقض قياس صحيح, ونص صحيح, كما لا يتناقض معقول صريح, ومنقول صحيح, بل إذا ظن بعض الناس تعارض النص والقياس, كان أحد الأمرين لازما, إما أن القياس فاسد, وإما أن النص لا دلالة له.

ومع هذا فالكتاب والسنة بينا جميع الأحكام بالأسماء العام, لكن يحتاج إدخال الأعيان في ذلك إلى فهم دقيق, ونظر ثاقب, لإدخال كل معين تحت نوع, وإدخال ذلك النوع تحت نوع آخر بينه الرسول صلى الله عليه وسلم.
وحينئذ: فكل من الحوادث, شملها خطاب الشارع, وتناولها الاعتبار الصحيح, وخطاب الشارع العام الشامل, دل عليها, بطريق العموم الذي يرجع إلى تحقيق المناط, وهو في معنى قياس الشمول البرهاني, والاعتبار الصحيح, تناولها بطريق قياس التمثيل الذي يتضمن التسوية بين المتماثلين, والفرق بين المختلفين, والتماثل والاختلاف ثابت في نفس الأمر, وقد نصب الله عليه أدلة, تدل عليه, وكما أن القياس الشمولي, والتمثيلي يرجعان إلى أصل واحد, ولا يجوز تناقضهما, إلا مع فسادهما, أو فساد أحدهما, فكذلك الخطاب العام, والاعتبار الصحيح: يرجعان إلى أصل واحد, ولا يجوز تناقضهما, إلا لفساد دلالتهما, أو دلالة أحدهما.

وهذا تنبيه على مجامع, نظر الأولين والآخرين في جميع استدلالهم: ومن تبصر في ذلك وفهمه, وعلم ما فيه من الإحاطة, تبين له أن دلائل الله لا تتتناقض, وأن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم, هو الحق الموافق لصرائح المعقول, وأن ما شرعه للعباد, هو العدل الذي به صلاح المعاش والمعاد, وإن فهم مع ذلك مسألة التحسين, والتقبيح العقلي وارتباطها بمسألة المناسبات, ورجوع جنس التحسين والتقبيح إلى حصول المحبوب, ودفع المكروه, وهو المعروف والمنكر, كما يرجع جنس الخبر إلى الوجود, والعدم, وأن هذا يرجع إلى الحق النافع, وفي مقابلته الباطل الذي لا ينفع, وهذا يرجع إلى الحق الموجود, وفي مقابلته المعدوم: تبين له أيضا, تناسب جميع العلوم الصحيحة, والموجودات المعتدلة, والشرائع الإلهية, وأعطى كل ذي حق حقه: [وَاللهُ يَقُولُ الحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ], {الأحزاب:4} [وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ], {النور:40} وإذا أحسن الاعتبار: تبين له ما في منطق اليونان, وفلسفتهم من الصواب والخطأ في الحد والبرهان, لا سيما في مواد القياس والبرهان, وتبين له كثير من خطأهم في التفريق بين المتماثلين, والتسوية بين المختلفين.
مثلما ذكروه في مواد البرهان: من قبول بعض القضايا التي سموها يقينية, واعتقدوها كلية, وليس الأمر كذلك, وردهم لبعض القضايا التي سموها: مشهورات ووهميات مع كونها قد تكون أقوى من كثير من القضايا التي سموها يقينية, كما قد ذكر في غير هذا الموضع, فهذا لمعة من كلام علماء الكلام, وغيرهم في طريقة الأعراض ونحوها


انتهى
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
تعليق شيخ الإسلام على رسالة الغنية في أهل الكلام للخطابي 2 الشيخ العبيلان
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتــــدى أبنـــاء السلــــــــف :: منتدى المحاضرات،الدروس والخطب الدعوية-
انتقل الى: