منتــــدى أبنـــاء السلــــــــف

منتــــدى أبنـــاء السلــــــــف


 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثدخولالتسجيل

شاطر | 
 

 تعليق شيخ الإسلام على رسالة الغنية في أهل الكلام للخطابي الشيخ العلامة العبيلان

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الفارس
إداري
إداري


ذكر عدد الرسائل : 1160
السٌّمعَة : 13
نقاط : 2574
تاريخ التسجيل : 08/02/2009

مُساهمةموضوع: تعليق شيخ الإسلام على رسالة الغنية في أهل الكلام للخطابي الشيخ العلامة العبيلان   الخميس أغسطس 06, 2009 8:27 pm

ومِمَّا يبين ذلك ما ذكره الشيخ أبو سليمان الخطابي في رسالته المعروفة في الغنية عن الكلام وأهله قال فيها:[وقفت على مقالتك وظهور ما ظهر بها من مقالات أهل الكلام, وخوض الخائضين فيها, وميل بعض منتحلي السنة إليها, واغترارهم بها, واعتذارهم في ذلك بأن الكلام وقاية للسنة, وجنة لها, يذب به عنها, ويزاد بسلاحه عن حريمها, وفهمت ما ذكرته من ضيق صدرك بمجالسهم, وتعذر الأمر عليك في مفارقتهم, لأن موقفك بين: أن تسلم لهم ما يدعونه من ذلك, فتقبله, وبـيـن: أن تقابلهم على ما يزعمونه, فترده وتنكره, وكلا الأمرين يصعب عليك.

أما القبول: فلأن الدين يمنعك منه, ودلائل الكتاب والسنة تحول بينك وبينه.
وأما الرد والمقابلة: فلأنهم يطالبونك بأدلة العقول, ويؤاخذونك بقوانين الجدل, ولا يقنعون منك بظواهر الأمور, وسألتني أن أمدك بما يحضرني في نصرة الحق من علم وبيان, وفي رد مقالة هؤلاء القوم من حجة وبرهان, وأن أسلك في ذلك طريقة لا يمكنهم دفعها, ولا يسوغ لهم من جهة العقل جحدها وإنكارها, فرأيت إسعافك لازما في حق الدين, وواجب النصيحة لجماعة المسلمين, فإن الدين النصيحة, واستشهد بقول النبي صلى اله عليه وسلم: (الدين النصيحة, الدين النصيحة, الدين النصيحة, قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله, ولكتابه, ولرسوله, ولأئمة المسلمين, وعامتهم).
قـــال: واعلم أن هذه الفتنة, قد عمت اليوم, وشملت وشاعت في البلاد, واستفاضت, فلا يكاد يسلم من رهج غبارها, إلا من عصمه الله, وذلك مصداق قول النبي صلى الله عليه وسلم: (بدأ الإسلام غريبا, وسيعود غريبا, كما بدأ, فطوبى للغرباء).
قــال: ثم إني تدبرت هذا الشأن, فوجدت عظم السبب فيه, أن الشيطان صار اليوم بلطيف حيلته, يسول لكل من أحس من نفسه بزيادة فهم, وفضل ذكاء, وذهن, ويوهمه, أنه إن رضي في علمه, ومذهبه بظاهر من السنة, واقتصر على واضح بيان منها, كان أسوة للعامة, وعد واحدا من الجمهور, والكافة, وأنه قد ضل فهمه, واضمحل لطفه وذهنه, فحركهم بذلك على التنطع في النظر, والتبدع, لمخالفة السنة والأثر, ليبينوا بذلك عن طبقة الدهماء, ويتميزوا في الرتبة عمن يرونه دونهم في الفهم والذكاء, فاخدعهم بهذه المقدمة حتى استزلهم عن واضح المحجة, وأورطهم في شبهات تعلقوا بزخارفها, وتاهوا عن حقائقها, ولم يخلصوا منها إلى شفاء نفس, ولا قبلوها بيقين علم.
قــال: ولما رأوا كتاب الله, ينطق بخلاف ما انتحلوه, ويشهد عليهم بباطل ما اعتقدوه, ضربوا بعض آياته ببعض, وتأولوها على ما سنح لهم في عقولهم, واستوى عندهم على ما وضعوه من أصولهم, ونصبوا العداوة لأخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم ولسنته المأثورة عنه, وردوها على وجوهها, وأساءوا في نقلتها القالة, ووجهوا عليهم الظنون, ورموهم بالتزيد, ونسبوهم إلى ضعف المنة, وسوء المعرفة, بما يروونه من الحديث, والجهل بتأويله, ولو سلكوا سبيل القصد, ووفقوا عند ما انتهى بهم التوقيف, لوجدوا برد اليقين, وروح القلوب, ولكثرت البركة, وتضاعف النماء وانشرحت الصدور, ولأضاءت فيها مصابيح النور, والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم].


فهذا الذي وصفه الشيخ [أبو سليمان الخطابي] هو: حال أهل الكلام الذين يعارضون الكتاب والسنة بعقلهم, فيتأولون الكتاب على غير تأويله, ويردون الحديث بما يمكنهم.
مـثــل: زعمهم أنه خبر واحد, وإن كان من المستفيضات المتلقاة بالقبول, ومثل غير ذلك من وجوه الرد: لأن الأصول التي بنوا عليها دينهم, تناقض منصوص الكتاب والسنة, كطريقة الأعراض, والتركيب, والاختصاص, ونحو ذلك, مما تقدم.
وهم فيما خاضوا فيه من العقليات المعارضة للنصوص في حيرة, وشبهة, وشك من كان منهم فاضلا ذكيا, قد عرف نهايات أقدامهم, كان في حيرة وشك, ومن كان منهم لم يصل إلى الغاية, كان مقلدا لهؤلاء, فهو يدع تقليد النبي المعصوم, وإجماع المؤمنين المعصوم, ويقلد رؤوس الكلام المخالف للكتاب والسنة, الذين هم في شك وحيرة, ولهذا لا يوجد أحد من هؤلاء: إلا وهو إما حائر شاك, وإما متناقض, يقول: قولا, ويقول: ما يناقضه, فيلزم بطلان أحد القولين, أو كلاهما, لا يخرجون عن الجهل البسيط مع كثرة النظر والكلام, أو عن لجهل المركب الذي هو ظنون كاذبة وعقائد غير مطابقة, وإن كانوا يسمون ذلك براهين عقلية, وأدلة يقينية, فهم أنفسهم ونظراؤهم يقدحون فيها, ويبينون أنها شبهات فاسدة, وحجج عن الحق حائدة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الفارس
إداري
إداري


ذكر عدد الرسائل : 1160
السٌّمعَة : 13
نقاط : 2574
تاريخ التسجيل : 08/02/2009

مُساهمةموضوع: تابع معي اتلموضوع   الخميس أغسطس 06, 2009 8:29 pm

وهذا الأمر يعرفه كل من كان خبيرا بحال هؤلاء, بخلاف أتباع الرسول صلى الله عليه وسلم المتبعين له, فإنهم ينكشف لهم, أن ما جاء به الرسول هو الموافق لصريح المعقول, وهو الحق الذي لا اختلاف فيه, ولا تناقض, قال تعالى: [أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا]. {النساء:82}
فهؤلاء مثل نور الله في قلوبهم: [كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ المِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ], {النور:35 } نور الإيمان, ونور القرآن, نور صريح المعقول ونور صحيح المنقول.
كما قال بعض السلف: يكاد المؤمن ينطق بالحكمة, وإن لم يسمع فيها بأثر, فإذا جاء الأثر كان نورا على نور.
وقال غير واحد من الصحابة كجندب بن عبد الله وعبد الله بن عمررضي الله عنهما: (تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن, فازددنا إيمانا). قال تعالى: [وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الكِتَابُ وَلَا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلَا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الأُمُورُ]. {الشُّورى53:52}
وأما أهل البدع المخالفة للكتاب والسنة: فهم إما في الجهل البسيط, وإما في الجهل المركب: كالكفار فالأولون: [كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ], {النور:40} والآخرون: [كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللهُ سَرِيعُ الحِسَابِ]. {النور:39}
فأهل الجهل والكفر البسيط: لا يعرفون الحق, ولا ينصرونه, وأهل الجهل والكفر المركب: يعتقدون أنهم عرفوا, وعلموا والذي معهم ليس بعلم بل جهل.

قال أبو سليمان الخطابي: [واعلم أن الأئمة الماضين, والسلف المتقدمين, لم يتركوا هذا النمط من الكلام, وهذا النوع من النظر عجزا عنه, ولا انقطاعا دونه, وقد كانوا ذوي عقول وافرة, وأفهام ثاقبة, وقد كان وقع في زمانهم هذه الشبه والآراء وهذه النحل والأهواء, وإنما تركوا هذه الطريقة, وأعرضوا عنها, لما تخوفوا من فتنتها, وحذروه من سوء مغبتها, وقد كانوا على بينه من أمرهم, وعلى بصيرة من دينهم, لما هداهم الله له من توفيقه وشرح به صدورهم من نور معرفته, ورأوا أن فيما عندهم من علم الكتاب, وحكمته, وتوقيف السنة, وبيانها غناء ومندوحة, عما سواهما, وأن الحجة قد وقعت بهما, والعلة أزيحت بمكانهما, فلما تأخر الزمان بأهله, وفترت عزائمهم في طلب حقائق علوم الكتاب والسنة, وقلت عنايتهم, واعترضهم الملحدون بشبههم, والمتحذلقون بجدلهم, حسبوا أنهم إن لم يردوهم عن أنفسهم بهذا النمط من الكلام, ولم يدافعوهم بهذا النوع من الجدل لم يقووا بهم, ولم يظهروا, في الحجاج عليهم, فكان ذلك ضلة من الرأي, وغبنا فيه, وخدعة من الشيطان, والله المستعان].

قلت هو كما قال أبو سليمان: فإن السلف كانوا أعظم عقولا, وأكثر فهوما, وأحد أذهانا, وألطف إدراكا, كما قال عبد الله بن مسعود: (من كان منكم مستنا, فليستن بمن قد مات, فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة, أولئك أصحاب محمد, أبر هذه الأمة قلوبا, وأعمقها علما, وأقلها تكلفا, قوم اختارهم الله لصحبة نبيه, وإقامة دينه, فاعرفوا لهم حقهم, وتمسكوا بهديهم, فإنهم كانوا على الهدى المستقيم).
وقد تواترت النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم: (بأن خير قرون هذه الأمة, القرن الذي بعث فيهم, ثم الذين يلونهم, ثم الذين يلونهم).
وأعظم الفضائل: فضيلة العلم والإيمان, فهم أعلم الأمة باتفاق علماء الأمة, ولم يدعوا الطرق المبتدعة المذمومة عجزا عنها, بل كانوا كما قال عمر بن عبد العزيز: (على كشف الأمور أقوى, وبالخير لو كان في تلك الأمور أحرى).
وقول الخطابي: [تركوا هذه الطريقة وأضربوا عنها, لما تخوفوه من فتنتها, وحذروه من سوء مغبتها].
فسنبين إن شاء الله أن تلك الطرق المخالفة للسنة هي في نفسها باطلة, فأضربوا عنها كما يضرب عن الكذب, والقول الباطل, وإن كان مزخرفا مزينا, ولم يستجيزوا أن يقابلوا الفاسد بالفاسد, ويردوا البدعة بالبدعة, وأما الكلام الذي لا يدرى أصدق هو أم كذب: فهو بمنزلة الشاهد الذي لا يعلم صدقه, فهذا قد يعرض عنه, خوفا أن يكون باطلا وكذبا, فهذا يكون في الطرق المجهولة الحال.
ولا ريب أن كثيرا من الناس, لا يعلم أحق هي أم باطل, فينهى عن القول بما لا يعلم, وقد ينهى بعض الناس عن أن ينظر فيما يعجز عن فهمه, ومعرفة الحق فيه من الباطل, خوفا من أن يزل ذهنه فيضل, ولا يمكن هداه, فالخوف يكون فيما لا يعلم حاله, أو لا يعلم حال سالكه, وإن كان حقا, وأما الكلام المخالف للنصوص: فهو في نفسه باطل, فالنهي عنه, كالنهي عن الكذب والكفر, ونحو ذلك.
وقوله: [وقد كانوا على بينة من أمرهم, وعلى بصيرة من دينهم لما هداهم الله له من توفيقه, وشرح به صدورهم من نور معرفته].
فهذا بيان لأنهم كانوا أهل علم ويقين, لا أهل جهل وتقليد, وأنه حصل لهم معرفة يقينية ضرورية بهدى الله لهم, وشرح صدورهم, كما قد بسط هذا في غير هذا الموضع, وبين أن الإيمان والعلم, لا يتوقف على النظر الذي أحدثه أهل الكلام, فضلا عن الكلام المخالف للنصوص.
وقوله: [ورأوا أن فيما عندهم من علم الكتاب والسنة غنى ومندوحة عما سواهما].
فهذا لأن الكتاب والسنة قد بين الحق وبين الطرق التي بها يعرف الحق, وذكر من الأدلة العقلية, والأمثال المضروبة التي هي مقاييس برهانية, ما هو أكمل في تحصيل العلم واليقين, مما أحدثه أهل البدع من أهل الكلام والفلسفة.
وليس هدى الكتاب بمجرد كونه خبرا كما يظنه بعضهم, بل قد نبه, وبين, ودل على ما به يعرف الحق من الباطل من الأدلة والبراهين, وأسباب العلم واليقين, كما قد بسط هذا في غير هذا الموضع.
وما ذكره من أنه: [لما تأخر الزمان, وفترت عزائم بعض الناس, عن طلب حقائق علوم الكتاب والسنة, أخذوا يردون شبه الملحدين, بالكلام المبتدع, المستلزم مخالفة النصوص], فهو كما قال: وقد تأملت هذا في عامة الأبواب, فوجدته كذلك, بل وجدت جميع أهل البدع يلزمهم أن لا يكونوا مصدقين بتنزيل القرآن, ولا بتفسيره, وتأويله في كثير من الأمور.
والعلم والإيمان: يتضمن التصديق بالتنزيل, وما دل عليه من التأويل, وما من بدعة من بدع الجهمية, وفروعهم إلا وقد قالوا في القرآن بما يقدح في تنزيله, وقالوا في معانيه, بما يقدح في تفسيره وتأويله.
فمن تأمل طرق المعتزلة ونحوهم التي ردوا بها على أهل الدهر والفلاسفة ونحوهم, فيما خالفوا فيه المسلمين: رآهم قد بنوا ما خالفوا فيه النصوص على أصول فاسدة في العقل, لا قطعوا بها عدو الدين, ولا أقاموا على موالاة السنة واتباع سبيل المؤمنين, كما فعلوه في دليل الأعراض, والتركيب, والاختصاص.
وكذلك من ناظرهم من الكلابية, وغيرهم فيما خالفوا فيه السنة من مسائل الصفات والقدر وغير ذلك: بنوا كثيرا من الرد عليهم على أصول فاسدة, إما أصول وافقوهم عليها مما أحدثه أولئك: كموافقة من وافقهم على دليل الأعراض, والتركيب ونحوهما, وإما أصول عارضوهم بها: فقابلوا الباطل بالباطل, كما فعلوه في مسائل القدر, والوعد, والوعيد, ومسائل الأسماء, والأحكام, فإن أولئك كذبوا بالقدر, وأوجبوا إنفاذ الوعيد, وقاسوا الله بخلقه فيما يحسن ويقبح.
وهؤلاء: أبطلوا حكمه الله تعالى, وحقيقة رحمته وعدله, وقالوا: ما يقدح في أمره ونهيه, ووعده ووعيده, وتوقفوا في بعض أمره ونهيه, ووعده ووعيده, فصار أولئك يكذبون بقدرته وخلقه, ومشيئته, وهؤلاء: يكذبون برحمته وحكمته, وببعض أمره ونهيه, ووعده ووعيده كما قد بسط في موضعه.
فكان ما دفعوا به أهل البدع: من أصول مبتدعة باطلة, وافقوهم عليها, أو أصول مبتدعة باطلة قاتلوهم فيها, ضلة من الرأي, وغبنا فيه, وخدعة من الشيطان, بل الحق أنهم لا يوافقون على باطل ولا يقابلهم باطلهم بباطل.
وهذا كما أصاب كثيرا من الناس: من أهل العبادة, والزهد, والتصوف, والفقر أعرضوا عن السماع الشرعي, والزهد الشرعي, والسلوك الشرعي, فاحتاجوا أن يعتاضوا عن ذلك بسماع بدعي, وزهد بدعي, وسلوك بدعي, يوافق فيه بعضا بعضا في باطل, أو يقابل باطلهم بباطل آخر, وكما أصاب كثيرا من الناس: مع الولاة الذين أحدثو الظلم, فإنهم تارة يوافقونهم على بعض ظلمهم, فيعاونونهم على الإثم والعدوان, وتارة يقابلون ظلمهم بظلم آخر, فيخرجون عليهم ويقاتلونهم بالسيف, وهو قتال الفتنة.
فمن الناس من يوافق على الظلم ولا يقابل الظلم: مثل ما كان بعض أهل الشام, ومنهم من كان يقابله بالظلم والعدوان, ولا يوافق على حق ولا على باطل: كالخوارج, ومنهم من كان تارة يوافق على الظلم, وتارة يدفع الظلم بالظلم: مثل حال كثير من أهل العراق.
وكثير من الناس مع أهل البدع الكلامية, والعملية بهذه المنزلة, إما أن يوافقوهم على بدعهم الباطلة, وإما أن يقابلوها ببدعة أخرى باطلة, وإما أن يجمعوا بين هذا وهذا, وإنما الحق في أن لا يوافق المبطل على باطل أصلا, ولا يدفع باطله بباطل أصلا فيلزم المؤمن الحق, وهو ما بعث الله به رسوله  ولا يخرج عنه إلى باطل يخالفه, لا موافقة لمن قاله, ولا معارضة بالباطل لمن قال باطلا, وكلا الأمرين يستلزم معارضة منصوصات الكتاب والسنة, بما يناقض ذلك وإن كان لا يظهر ذلك في بادي الرأي.
قال أبو سليمان: [فإن قال هؤلاء القوم: فإنكم قد أنكرتم الكلام, ومنعتم استعمال أدلة العقول فما الذي تعتمدون عليه في صحة أصول دينكم, ومن أي طريق تتوصلون إلى معرفة حقائقها, وقد علمتم أن الكتاب لم يعلم حقه, وأن الرسول لم يثبت صدقه إلا بأدلة العقول, وأنتم قد نفيتموها].
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الفارس
إداري
إداري


ذكر عدد الرسائل : 1160
السٌّمعَة : 13
نقاط : 2574
تاريخ التسجيل : 08/02/2009

مُساهمةموضوع: تابع معي الموضوع   الخميس أغسطس 06, 2009 8:31 pm

قال أبو سليمان: قلنا: إنا لا ننكر أدلة العقول والتوصل بها إلى المعارف, ولكنا لا نذهب في استعمالها إلى الطريقة التي سلكتموها في الاستدلال بالأعراض, وتعلقها بالجواهر, وانقلابها فيها على حدث العالم, وإثبات الصانع, ونرغب عنها إلى ما هو أوضح بيانا, وأصح برهانا وإنما هو شيء أخذتموه عن الفلاسفة, وتابعتموهم عليه, وإنما سلكت الفلاسفة هذه الطريقة لأنهم لا يثبتون النبوات, ولا يرون لها حقيقة فكان أقوى شيء عندهم في الدلالة على إثبات هذه الأمور ما تعلقوا به من الاستدلال بهذه الأشياء, فأما مثبتوا النبوات فقد أغناهم الله عز وجل عن ذلك, وكفاهم كلفة المؤونة في ركوب هذه الطريقة المنعرجة التي لا يؤمن العنت على راكبها والإيداع والانقطاع على سالكها].

قـلـت: وهذا الذي ذكره الخطابي يبين أن طريقة الأعراض من الكلام المذموم الذي ذمه السلف والأئمة, وأعرضوا عنه كما ذكر ذلك الأشعري وغيره, وأن الذين سلكوها سلكوها, لكونهم لم يسلكوا الطرق النبوية الشرعية, فمن لم يسلك الطرق الشرعية احتاج إلى الطرق البدعية بخلاف من أغناه الله بالكتاب والحكمة.
والخطابي ذكر أن هذه الطريقة متعبة مخوفة, فسالكها يخاف عليه أن يعجز, أو أن يهلك, وهذا كما ذكره الأشعري وغيره ممن لم يجزموا بفساد هذه الطريقة, وإنما ذموها لكونها بدعة, أو لكونها صعبة متعبة قد يعجز سالكها, أو لكونها مخوفة خطرة لكثرة شبهاتها.
وهكذا ذكر الخطابي في كتاب شعار الدين ما يتضمن هذا المعنى, ولهذا كان من لم يعلم بطلان هذه الطريقة, أو اعتقد صحتها قد يقول ببعض موجباتها, كما يقع مثل ذلك في كلام الخطابي وأمثاله مما يوافق موجبها, وقد أنكره عليه أئمة السلف والعلم كما هو مذكور في غير هذا الموضع, وهذا قد وقع فيه طوائف من أصناف الناس من أصحاب أحمد, ومالك, والشافعي, وأبي حنيفة وغيرهم.
وأما قوله: إنهم أخذوا هذه الطريقة من الفلاسفة كما ذكر ذلك الأشعري.
فيقال: كثير من الفلاسفة يبطل هذه الطريقة كأرسطو وأتباعه, فلم يوجد عنهم ومن الفلاسفة من يقول بها, والذين قالوا بها من أهل الكلام ليس كلهم أخذها عن الفلاسفة, بل قد تتشابه القلوب.
كما قال تعالى: [كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الآَيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ]. {البقرة:118}
وقال تعالى: [كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ]. {الذاريات 53:52}
وأكثر المتكلمين السالكين لها, مناقضون للقول المشهور عن الفلاسفة, لا موافقون لهم بل يردون على أرسطو وأصحابه في المنطق والطبيعيات والإلهيات.
قال الخطابي: وبيان ما ذهب إليه السلف من أئمة المسلمين في الاستدلال على معرفة الصانع, وإثبات توحيده وصفاته, وسائر ما ادعى أهل الكلام تعذر الوصول إليه إلا من الوجه الذي يذهبون إليه, ومن الطريقة التي يسلكونها, ويزعمون أن من لم يتوصل إليه من تلك الوجوه كان مقلدا غير موحد على الحقيقة هو أن الله سبحانه لمَّا أراد إكرام من هداه لمعرفته, بعث رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بشيرا ونذيرا, وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا.
وقال له: [يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي القَوْمَ الكَافِرِينَ]. {المائدة:67}
وقال صلى الله عليه وسلم: في خطبة الوداع وفي مقامات شتى وبحضرته عامة أصحابه: (ألا هل بلغت).
وكان الذي أنزل عليه من الوحي, وأمر بتبليغه هو كمال الدين وتمامه لقوله تعالى: [اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ], {المائدة:3} فلم يترك  شيئا من أمور الدين, قواعده وأصوله, وشرائعه, وفصوله إلا بينه وبلغه على كماله وتمامه, ولم يؤخر بيانه عن وقت الحاجة إليه, إذ لا خلاف بين فرق الأمة أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز بحال, ومعلوم أن أمر التوحيد, وإثبات الصانع لا تزال الحاجة ماسة إليه أبدا في كل وقت وزمان, ولو أخر عنه البيان لكان التكليف واقعا بما لا سبيل للناس إليه, وذلك فاسد غير جائز, وإذا كان الأمر على ما قلناه, وقد علم يقينا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدعهم في أمر التوحيد إلى الاستدلال بالأعراض, وتعلقها بالجواهر, وانقلابها فيها إذ لا يمكن واحدا من الناس أن يروى عنه ذلك, ولا عن أحد من أصحابه من هذا النمط حرفا واحدا فما فوقه لا من طريق تواتر, ولا آحاد علم أنهم قد ذهبوا خلاف مذهب هؤلاء, وسلكوا غير طريقتهم, ولو كان في الصحابة قوم يذهبون مذاهب هؤلاء في الكلام والجدل لعدوا من جملة المتكلمين, ولنقل إلينا أسماء متكلميهم كما نقل إلينا أسماء فقهائهم وقرائهم, وزهادهم فلما لم يظهر ذلك دل على أنه لم يكن لهذا الكلام عندهم أصل.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الفارس
إداري
إداري


ذكر عدد الرسائل : 1160
السٌّمعَة : 13
نقاط : 2574
تاريخ التسجيل : 08/02/2009

مُساهمةموضوع: تابع معي الموضوع   الخميس أغسطس 06, 2009 8:36 pm

قال الخطابي: [وإنما ثبت عندهم أمر التوحيد من وجوه, أحدها: ثبوت النبوة بالمعجزات التي أوردها نبيهم من كتاب قد أعياهم أمره, وأعجزهم شأنه, وقد تحداهم به وبسورة من مثله.
وهم العرب الفصحاء, والخطباء والبلغاء, فكل عجز عنه, ولم يقدر على شيء منه بوجه.
إما بأن لا يكون في قولهم ولا في طباعهم أن يتكلموا بكلام يضارع القرآن في جزالة لفظه, وبديع نظمه, وحسن معانيه.
وإما أن يكون ذلك في وسعهم, وتحت قدرهم طبعا وتركيبا, ولكن منعوه وصرفوا عنه ليكون آية لنبوته, وحجة عليهم في وجوب تصديقه.
وإما أن يكونوا إنما عجزوا عن علم ما جمع في القرآن من أنباء ما كان, والإخبار عن الحوادث التي تحدث وتكون, وعلى الوجوه كلها فالعجز موجود, والانقطاع حاصل هذا إلى ما شاهدوه من آياته, وسائر معجزاته المشهودة عنه الخارجة عن سوم الطباع الناقضة للعادات كتسبيح الحصا في كفه, وحنين الجذع لمفارقته, ورجف الجبل تحته, وسكونه لما ضربه برجله وانجذاب الشجرة بأغصانها وعروقها إليه, وسجود البعير له, ونبوع الماء من بين أصابعه حتى توضأ به بشر كثير, وربو الطعام اليسير بتبريكه فيه حتى أكل منه عدد جم, وإخبار الذراع إياه بأنها مسمومة, وأمور كثيرة سواها يكثر تعدادها هي مشهورة, ومجموعة في الكتب التي أنشئت لمعرفة هذا الشأن.
قال الخطابي: فلما استقر ما شاهدوه من هذه الأمور في نفوسهم, وثبت ذلك في عقولهم صحت عندهم نبوته, وظهرت عن غيره بينونته, ووجب تصديقه على ما أنبأهم عنه من الغيوب ودعاهم إليه من أمر وحدانية الله عز وجل, وأمر صفاته وإلى ذلك ما وجدوه في أنفسهم, وفي سائر المصنوعات من آثار الصنعة, ودلائل الحكمة, الشاهدة على أن لها صانعا حكيما, عالما خبيرا, تام القدرة, بالغ الحكمة, وقد نبههم الكتاب عليه, ودعاهم إلى تدبره, وتأمله, والاستدلال به على ثبوت ربوبيته فقال عز وجل: [وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ], {الذاريات:21} إشارة إلى ما فيها من آثار الصنعة, ولطيف الحكمة الدالين على وجود الصانع الحكيم, لما ركب فيها من الحواس التي عنها يقع الإدراك, والجوارح التي يباشر بها القبض والبسط, والأعضاء المعدة للأفعال التي هي خاصة بها كالأضراس الحادثة فيهم عند استغنائهم عن الرضاع, وحاجتهم إلى الغذاء, فيقع بها الطحن له, وكالمعدة التي اتخذت لطبخ الغذاء, والكبد التي يسلك إليها صفاوته, وعنها يكون انقسامه على الأعضاء في مجاري العروق, المهيأة لنفوذه إلى أطراف البدن, وكالأمعاء التي يرسب إليها تفل الغذاء وطحانه فيبرز عن البدن.
وكقوله تعالى: [أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ*وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ* وَإِلَى الجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ* وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ]. {الغاشية20:17}
وكقوله تعالى:[إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ]. {آل عمران:190}
وما أشبه ذلك من جلال الأدلة, وظواهر الحجج التي يدركها كافة ذوي العقول, وعامة من يلزمه حكم الخطاب مما يطول تتبعه واستقراؤه, فعن هذه الوجوه ثبت عندهم أمر الصانع, وكونه, ثم بينوا وحدانيته وعلمه, وقدرته بما شاهدوه من اتساق أفعاله على الحكمة, واطرادها في سبلها وجريها على ادلالها, ثم علموا سائر صفاته توقيفا عن الكتاب المنزل الذي بان حقه, وعن قول النبي صلى الله عليه وسلم الذي قد ظهر صدقه, ثم تلقى جملة أمر الدين عنهم أخلافهم وأتباعهم كافة عن كافة, قرنا بعد قرن فتناولوا ما سبيله الخبر منها تواترا واستفاضة على الوجه الذي تقوم به الحجة, وينقطع فيها العذر, ثم كذلك من بعدهم عصرا بعد عصر إلى آخر من تنتهي إليه الدعوة, وتقوم عليه بها الحجة, فكان ما اعتمده المسلمون من الاستدلال في ذلك أصح وأبين وفي التوصل إلى المقصود به أقرب إذ كان التعلق في أكثره إنما هو بمعاني درك الحس وبمقدمات من العلم مركبة عليها لا يقع الخلف في دلالتها].

قـلـت: ذكر الخطابي طريقين إلى معرفة الله وصفاته: طريقا سمعية, وطريقا عقلية وكلاهما طريق شرعية معروفة بالقرآن.
أما الأولى: فهو أن تعلم نبوة النبي صلى الله عليه وسلم بما أظهره الله على يديه من المعجزات, وبغير ذلك, ثم يعرفون بذلك ما أخبرهم به, ودعاهم إليه من التوحيد, وإثبات الصفات, وهذا لأن نفس الإقرار بالصانع سبحانه فطري ضروري, أو معلوم بأدنى نظر وتأمل يحصل لعموم الخلق, ثم معرفة صدق الرسول صلى الله عليه وسلم تعلم بما أظهره من المعجزات الدالة على صدق الرسول, وقد نبه الخطابي أن فيما جاء به الرسول من بيان الطرق العقلية التي يعرف بها ثبوت الخالق وتوحيده, وصفاته فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن تعريفه للناس ما عرفهم إياه بمجرد خبره, وإن كان ذلك بعد ثبوت صدقه كما يظنه كثير من أهل الكلام, بل عرفهم ما به يعرف ثبوت الخالق ووحدانيته وصفاته, وما به يعرف صدقه فبين أن ما جاء به من أصول الدين وأدلته العقلية التي يعلم بها ما يمكن معرفته بالعقل وأخبرهم عن الغيب الذي لا يمكنهم معرفته بمجرد عقلهم.
ولهذا قال الخطابي: [وإلى ذلك ما وجدوه في أنفسهم وفي سائر المصنوعات من آثار الصنعة, ودلائل الحكمة, الشاهدة على أن لها صانعا حكيما, عالما خبيرا, تام القدرة بالغ الحكمة.
قال: وقد نبههم الكتاب عليه ودعاهم إلى تدبره وتأمله والاستدلال به على ثبوت ربوبيته فقال عز وجل:[وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ], {الذاريات:21 ]
إلى قوله: [وما أشبه ذلك من جلال الأدلة, وظواهر الحجج التي يذكرها كافة ذوي العقول, وعامة من يلزمه حكم الخطاب مما يطول تتبعه واستقراؤه, فعن هذه الأمور ثبت عندهم أمر الصانع وكونه ثم بينوا وحدانيته وعلمه وقدرته بما شاهدوه من اتساق أفعاله على الحكمة واطرادها في سبلها وجريها على إدلالها ثم علموا سائر صفاته توقيفا عن الكتاب إلى آخر كلامه].
وهذا مما اعترف به النظار من جميع الطوائف من المعتزلة, والأشعرية, والكرامية وغيرهم كما قال القاضي عبد الجبار: في أول كتابه المصنف في تثبيت نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم قال: الحمد لله الذي من على عباده بإرسال رسله, وختمهم بسيدهم محمد صلى الله عليه وسلم فأرسله بالهدى, ودين الحق ليظهره على الدين كله, ولو كره المشركون, وإنما يعرف الرسول من عرف المرسل, وقد حصل لك العلم به تبارك وتعالى بما في كتاب المصباح وغيره, وأجلها وأعظمها, وأوضحها, وأبينها ما في القرآن مما نبه الله عليه وجعله في عقول العقلاء فينبغي أن يراعيه, ويديم النظر فيه, ويواصل الفكر في آيات الله, ويعتبر بالنقل والاعتبار تنال المعرفة.

وكذلك قال الأشعري في كتابه المشهور المعروف: [ باللمع ] لما ذكر خلق الإنسان, واستدل به على الخالق تعالى كما قد حكينا كلامه, وذكرنا كلامه, وكلام القاضي أبي بكر عليه, وأن كلامه أجود مع أنه جعل الإنسان مما يستدل على خلق جواهره بأنها لا تخلو من الحوادث, بناء على أن الحدوث المشهود, إنما هو حدوث الأعراض كالتأليف, والتركيب وهو المراد بالخلق بناء على ثبوت الجوهر الفرد.
وهذا وإن كان ضعيفا, وأكثر علماء المسلمين ينازعون في هذا, فالمقصود أنه استدل بالخلق على الخالق.
قال القاضي أبو بكر: ثم قال أبو الحسن مؤيدا لما ذكره من حدوث الإنسان, وحدوث تصويره, وتعلقه بخالق خلقه, ومدبر دبره, وقد قال تعالى: [أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ*أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الخَالِقُونَ], {الواقعة59:58} فما استطاعوا بحجة أن يقولوا إنهم يخلقون مع تمنيهم الولد, فلا يكون ومع كراهتهم له يكون.
قال وقال: تنبيها لخلقه على وحدانيته: [وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ], {الذاريات:21} فبين لهم عجزهم وفقرهم إلى صانع صنعهم ومدبر دبرهم.
قال القاضي أبو بكر: واعلموا أن الغرض بذكر هاتين الآيتين الإخبار عن الله في نص كتابه بما دلهم العقول عليه, وتقريبه, والتنبيه على موضع الاستدلال به من جهة السمع, ليكون المرء عند سماعه أقرب إلى العلم بإدراك ما يلتمس علمه, وترتيب ما النظر فيه على حقه وموجبه, وأن يجمع لأهل التوحيد المقرين بالسمع بين دلائل العقول, وتنبيه السمع عليها, وأن النظر في مقدورات الله, والاعتبار بها طريقا إلى العلم بصانعها المدبر لها, والخالق لأعيانها.
معي الموضوع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الفارس
إداري
إداري


ذكر عدد الرسائل : 1160
السٌّمعَة : 13
نقاط : 2574
تاريخ التسجيل : 08/02/2009

مُساهمةموضوع: تابع معي الموضوع   الخميس أغسطس 06, 2009 8:38 pm

قـال: وأما وجه التنبيه من قوله: [أَفَـرَأَيْتـُمْ مَا تُمـْنُـونَ*أَأَنْتُمْ تَخْلـُقُونَهُ أَمْ نَـحْنُ الخَـالِقُونَ], {الواقعة59:58} فهو أن من سبيل الخالق المنشئ أن يكون ما خلقه واقعا بقصده, وإرادته وأن يجد نفسه قادرة عليه, وعلى إيجاد عينه إن كان مخترعا له, أو على تصويره وتخطيطه إن كان الخلق تصويرا وتقديرا.

قــال: وأما وجه التنبيه من قوله:[وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ], { الذاريات:21} رده لهم إلى الاعتبار في أحوالهم, وتنقلهم من حال إلى حال, ومن تركيب إلى تركيب, وعجيب ما قد فعل بذواتهم من التصوير والتأليف, وخلق الحواس ومواضعها, وتركيب كل عضو من أعضائهم على صفة ما يحتاج إلى استعماله فيه, من اليد للبطش, والرجل للمشي, وغير ذلك من جوارحهم, وما يتجدد في أنفسهم من الحوادث التي لم تكن, ويزول عنهم من الأمور التي يؤثرون استدامتها مع علمهم بأن الصورة لا بد لها من مصور, وأن التأليف للدار والكتابة, وضروب المنسوجات والمصنوعات لا بد لها في عقولهم من صانع مؤلف, وأن التغير في صفاته مع جواز بقائه على ما يعبر عنه لا بد له من ناقل نقله ومغير غيره, وأنهم يجب أن يعلموا بذلك أن تصوير الإنسان وتغيره في الأحوال التي ذكرها, أولى أن يتعلق بمصور صوره, وناقل نقله وغيره من تركيب إلى تركيب, وحال إلى حال أن الإنسان أقرب إلى علم هذا بالتنبيه من ناحية السمع عليه, وأجدر أن يتحقق علم ما فيه, وإن كان لو أفرد بعقله, وأحيل على صحيح نظره, لقال بما نبه السمع على مواضعه, وإن احتاج في ذلك إلى فضل فكر بالكد والروية, وإتعاب النفس في طلب الحق.
قال: فهذا وجه التنبيه مما تلاه من التنزيل, وذكر في التوحيد والمعاد نحوا من ذلك, بخلاف نفي التشبيه, فإنه جعله من باب ما دل القرآن عليه بالخبر.
وأما ما ذكره هو وغيره من أنهم عرفوا صدق الرسول بالمعجزات ابتداء, فهذا يكون على وجهين:

أحدهما: أنهم عرفوا إثبات الخالق بالضرورة, ثم عرفوا صدق الرسول بالمعجزات.
والثاني: أن يقال نفس ظهور المعجزات دلت على إثبات الخالق, وعلى صدق رسوله كما كان إظهار موسى للآيات مثل العصا, واليد دليلا على الصانع, وعلى صدق الرسول
ولهذا لما قال له فرعون: [ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ] {الشعراء:29} قال له موسى: [قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ* قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ*فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ*وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ]. {الشعراء33:30}
فأظهر موسى هذه الآيات لما قال له فرعون: [ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ] فدل ذلك على أنه أظهرها لإثبات
العلم بالصانع, ولصدق الرسول, والأدلة الدالة على صدق الرسول كثيرة مبسوطة في غير هذا الموضع, وبنبوته يستدل على تفصيل صفات الله, وأسمائه, وعلى توحيده الذي هو عبادته وحده لا شريك له, وهو توحيد الإلهية وكذلك على توحيد الربوبية.
فَكِلَا نوعي التوحيد مما يمكن علمه بالسمع, وهذا مما اعترف به غير واحد من حذاق النظار وقالوا إنه يمكن العلم بصدق الرسول قبل العلم بالوحدانية.
مع أن الخطابي أراد والله أعلم بعلم التوحيد: علم صفات الرب سبحانه, وأسمائه, فإنهم يسمون ذلك علم التوحيد, وذلك مما يمكن معرفته بالشرع فإنه يعلم بالفطرة, وبالعقل إثبات الصانع على طريق الإجمال, وأما تفصيل صفاته وأسمائه فتعلم بالسمع.
وأيضا: فإذا عرف أن العلوم الإلهية حقيقتها موجودة عند الأنبياء عليهم السلام, فإنهم الصادقون المصدوقون فيما يخبرون به من ذلك, وأن الواجب تلقى ذلك عنهم.
كان العلم بأن هذا يستفاد من الرسول يمكن إثباته بما يعلم أنه رسول, وإذا علم أنه رسول تعلم منه هذا المطلوب كما إذا عرف أن علاج المرضى يؤخذ من الأطباء, والاستفتاء يرجع فيه إلى المفتين, وأمر التقويم يرجع فيه إلى المقومين, فإذا عرف أن هذا طبيب, أو مفت, أو مقوم رجع إليه في ذلك.
فقوله: سوط في غير هذا الموضع, وبين أن العلم بصدق النبي صلى الله عليه وسلم له طرق متعددة, فمن ادعى من المتكلمين المعتزلة, والجهمية, وموافقيهم أنه لا يمكن العلم بصدقه إلا بعد العلم بحدوث الأجسام, وأن ذلك لا يعلم إلا بطريقة الأعراض.
فقوله: [خطأ مبتدع]. وهو الذي ذكر الخطابي: [أنه لم يسلك أحد من السلف هذه الطريق].

وأما الطريق العقلية التي ذكرها: فهي طريق دل عليها القرآن, وأرشد إليها ونبه عليها, وهي الاستدلال بما يجدونه في أنفسهم, وفي سائر المصنوعات من آثار الصنعة, ودلائل الحكمة الشاهدة على أن لها صانعا حكما عالما خبيرا إلى قوله فعن هذه الوجوه ثبت عندهم أمر الصانع وكونه ثم تبينوا وحدانيته, وعلمه, وقدرته بما شاهدوه من اتساق أفعاله على الحكمة, واطرادها في سبلها وجريها على إدلالها.
وهذا لأن الفعل الواحد المتسق المنتظم لا يكون عن اثنين, ولا يكون إلا عن عالم قادر كما بين في غير هذا الموضع.

فهذه الصفات ونحوها مما يعلم بالعقل.
قال: [ثم علموا سائر صفاته توقيفا عن الكتاب المنزل]. وهذه كالصفات الخبرية, مثل الوجه واليدين, والاستواء على العرش ونحو ذلك.
قال الخطابي: [فأما الإعراض فإن التعلق بها إما أن يكون عذرا, وإما أن يكون تصحيح, الدلالة من جهتها عسرا متعذرا, وذلك أن اختلاف الناس قد كثر فيها فمن قائل لا عرض في الدنيا, ناف لوجود الأعراض أصلا, وقائل إنما هي قائمة بأنفسها لا تخالف الجواهر في هذه الصفة إلى غير ذلك من الاختلاف فيها, وأوردوا في نفيها شبها قوية, فالاستدلال بها والتعلق بأدلتها لا يصح إلا بعد التخلص من تلك الشبه, والانفكاك عنها, والطريقة سلكناها سليمة من هذه الآفات, برية من هذه العيوب, فقد بان ووضح فساد قول من زعم, وادعى من المتكلمين أن من لم يتوصل إلى معرفة الله تعالى, وتوحيده من الوجه الذي يصححونه من الاستدلال فإنه غير موحد في الحقيقة لكنه مستسلم, مقلد, وأن سبيله سبيل الذرية في كونها تبعا للآباء في الإسلام, وثبت أن قائل هذا القول مخطئ, وبين يدي الله ورسوله, متقدم وبعامة الصحابة وجمهور السلف مزر, وعن طريق السنة عادل, وعن نهجها ناكب].

قلت: وهذا الذي ذكره الخطابي بين ظاهر, بتقدير أن تكون تلك الطريق صحيحة في نفسها موصلة إلى العلم: فإن سلوكها والحال هذه إما غرر, وخطر, وإما مشق صعب بل معجوز عنه فإنها تحتاج إلى تصحيح مقدمات كثيرة دقيقة متنازع فيها, وقد لا تثبت للإنسان, فيضل عنها, فكانت بمنزلة من يريد الحج من طريق بعيدة مخوفة يمكن سالكها أن يصل بعد جهد ومشقة, ويمكن أن ينقطع, فمثل هذه الطريق قد يعجز صاحبها, وقد يضل بعد جهد ومشقة عظيمة, إذا لم يكن فيها مخوف, وإذا كان فيها مخوف فقد يهلك قبل الوصول.
ومعلوم أن من عدل إلى هذه الطريق, وترك الطريق المستقيمة الواضحة الآمنة الميسرة كان ظلوما جهولا.
وأما بتقدير أن تكون طريقا فاسدة: كما يعرفه من عرف حقيقتها, فإنها إما أن لا توصل إلى مطلوب, لأن النظر في الدليل الفاسد يستلزم الجهل المركب لا محالة, بل قد لا يحصل معه لا علم, ولا جهل, وهذا حال كثير من حذاق النظار الذين سلكوها, وإما أن توصل إلى نقيض الحق إذا اعتقد سالكها صدق بعض مقدماتها الكاذبة, وهذه حال كثير ممن اعتقد صحتها وعارض بموجبها صحيح المنقول, وصريح المعقول.
وهي حال أهل البدع من المعتزلة, والجهمية ومن وافقهم على مقتضاها, فإنها منشأ ضلال ما شاء الله تعالى من طوائف أهل الكلام, كما قد بسط هذا في غير هذا الموضع, فالأولون يبقون في الجهل البسيط, وهؤلاء يصيرون في الجهل المركب.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الفارس
إداري
إداري


ذكر عدد الرسائل : 1160
السٌّمعَة : 13
نقاط : 2574
تاريخ التسجيل : 08/02/2009

مُساهمةموضوع: تابع معي الموضوع   الخميس أغسطس 06, 2009 8:43 pm

قال الخطابي: [فهذا قولهم ورأيهم في عامة السلف, وجمهور الأئمة, وفقهاء الخلف فلا تشتغل رحمك الله بكلامهم, ولا تغتر بكثرة مقالاتهم, فإنها سريعة التهافت, كثيرة التناقض, وما من كلام تسمعه لفرقة منهم إلا ولخصومهم عليه كلام يوازنه, أو يقاربه, فكل بكل معارض وبعض ببعض مقابل, وإنما يكون تقدم الواحد منهم وفلجه على خصمه بقدر حظه من البيان وحذقه في صنعه الجدل والكلام, وأكثر ما يظهر به بعضهم على بعض إنما هو إلزام من طريق الجدل على أصول مؤصلة لهم, ومناقضات على مقالات حفظوها عليهم, فهم يطالبونهم بقودها وطردها فمن تقاعد عن شيء منها سموه من طريق الجدل منقطعا, وجعلوه مبطلا وحكموا بالفلج لخصمه عليه, والجدل لا يبين به حق, ولا تقوم به حجة وقد يكون الخصمان على مقالتين مختلفتين كلتاهما باطل, ويكون الحق في ثالثة غيرهما, فمناقضة أحدهما صاحبه غير مصحح مذهبه وإن كان مفسدا به قول خصمه لأنهما مجتمعان معا في الخطأ, مشتركان فيه كقول الشاعر فيهم:
حجج تهافت كالزجاج تخالها حقا وكل كاسر مكسور
وإنما كان الأمر كذلك, لأن واحدا من الفريقين لا يعتمد في مقالتها التي ينصرها أصلا صحيحا, وإنما هي أوضاع تتكافأ, وتتقابل فيكثر المقال, ويدوم الاختلاف ويقل الصواب.
قال الله تعالى: [وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا]. {النساء:82} فأخبر سبحانه أن ما كثر فيه الاختلاف فليس من عنده, وهذا من أدل الدليل على أن مذاهب المتكلمين مذاهب فاسدة, لكثرة ما يوجد فيها من الاختلاف المفضي بهم إلى التكفير, والتضليل, وذلك صفة الباطل الذي أخبر الله عنه.
ثم قال سبحانه في صفة الحق: [بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلَى البَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ].{الأنبياء:18}
قال الخطابي: فإن قيل دلائل النبوة ومعجزات النبي  ما عدا القرآن إنما نقلت إلينا من طريق الآحاد دون التواتر, والحجة لا تقوم بنقل الآحاد على من كان في الزمان المتأخر لجواز وقوع الغلط فيها, واعتراض الآفات من الكذب وغيره عليها.
قيل: هذه الأخبار وإن كانت شروط التواتر في آحادها معدومة, فإن جملتها راجعة من طريق المعنى إلى التواتر ومتعلقة به جنسا, لأن بعضها يوافق بعضا, ويجانسه, إذ كل ذلك واقع تحت الإعجاز, والأمر المزعج للخواطر الناقض لمجرى العادات.
قال: ومثال ذلك أن يروي قوم أن حاتم طي, وهب لرجل مائة من الإبل, ويروي آخرون أنه وهب لرجل آخر ألفا من الغنم, ويروي آخرون أنه وهب لآخر عشرة رؤوس من الخيل والرقيق إلى ما يشبه ذلك, حتى يكثر عدد ما يروى عنه, فهو وإن لم يثبت التواتر في كل واحد منها نوعا نوعا فقد ثبت التواتر في جنسها, وحصل من جملتها العلم بأن حاتما سخي, كذلك هذه الأمور, وإن لم يثبت لأفراد أعيانها تواتر, فقد ثبت برواية الجم الغفير الذي لا يحصى عددهم ولا يتوهم التواطؤ في الكذب عليهم أنه قد جاء بمعنى معجز للبشر, خارج عما في قدرهم فصح بذلك أمر نبوته.
وقال الخطابي: أيضا فيما ألحقه بكتاب شعار الدين, وبراهين المسلمين: [الكلام المكروه الذي زجر عنه العلماء وعابوه, هو التجرد في مذهب الكلام والتعمق فيه على الوجه الذي يذهب إليه المتكلمون, وذلك أنهم ادعوا الوقوف على حقائق الأمور من جهة العقول, وزعموا أن شيئا من المعلومات لا يذهب عليهم علمه ولا يعجزهم إدراكه على سبيل التحديد, والتحقيق].
قلت: هذا هو حقيقة قول من لم يجعل السمعيات تفيد العلم, إنما يحصل العلم عنده من جهة العقل فقط, وقول من يظن أنه بمجرد عقله يعرف ما جاءت به الشرائع.
ولهذا قال الإمام أحمد: في أول رسالته في السنة التي رواها عنه, عبدوس بن مالك العطار ليس في السنة قياس, ولا يضرب لها الأمثال, ولا تدرك بالعقول, فبين أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم لا يجوز أن يعارض بضرب الأمثال له, ولا يدركه كل أحد بقياس, ولا يحتاج أن يثبته بقياس, بل هو ثابت بنفسه, وليس كل ما ثبت يكون له نظير, وما لا نظير له لا قياس فيه, فلا يحتاج المنصوص خبرا وأمرا إلى قياس, بخلاف من أراد أن ينال كل ما جاءت به الرسل بعقله ويتلقاه من طريق القياس, كالقياس العقلي المنطقي, وهو قياس الشمول أو قياس التمثيل ونحو ذلك, فإن كلا من هذا وهذا يسمى قياسا.
وقد تنازع الناس في اسم القياس: هل هو حقيقة في قياس التمثيل, مجاز في قياس الشمول, كما يقوله أبو حامد الغزالي, وأبو محمد المقدسي, وغيرهما؟
أو هو حقيقة في قياس الشمول, مجاز في قياس التمثيل كما يقوله أبو محمد بن حزم, وغيره؟
أو القياس حقيقة فيهما كما يقوله الجمهور؟ على ثلاثة أقوال.
وأيــضــا: فهم متنازعون في الجنس, أيهما هو الذي يوصل إلى العلم, وكثير من الناس من أهل المنطق اليوناني, ونحوهم يزعم أن الموصل إلى العلم هو قياس الشمول فقط, دون قياس التمثيل, وكثير من أهل الكلام يرجح قياس التمثيل, ويقول إن قياسهم المنطقي قياس الشمول قليل الفائدة أو عديمها.
وحقيقة الأمر: أن القياسين متلازمان, فكل قياس شمول: هو متضمن لتمثيل, وكل قياس تمثيل: هو متضمن لشمول, فإن القايس قياس التمثيل لا بد أن يعلق الحكم بالوصف المشترك, فإذا قال النبيذ المسكر حرام لأنه مسكر, فكان حراما كخمر العنب فقد علق التحريم بالسكر, و بد له من دليل يدل على تعلق الحكم بذلك الوصف المشترك, إما بنص, أو إجماع, أو غير ذلك من الطرق الدالة على أن الحكم معلل بذلك الوصف المشترك بين الأصل, والفرع, وهو الذي يسمى جواب المطالبة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الفارس
إداري
إداري


ذكر عدد الرسائل : 1160
السٌّمعَة : 13
نقاط : 2574
تاريخ التسجيل : 08/02/2009

مُساهمةموضوع: تابع   الخميس أغسطس 06, 2009 8:46 pm

فإن القايس: إذا قاس توجه عليه منوع, أحدها: منع الحكم في الأصل, والثاني: منع ثبوت الوصل الذي علق به الحكم في الأصل, والثالث: منع وجوده في الفرع, وهذه الأسولة الثلاثة قد يسهل جوابها, والرابع: منع علة الوصف, وهو منع كون الحكم متعلقا به, وهذا أعظم الأسولة.
وذلك الوصف الذي علق به الحكم يسمونه علة, وسببا, وداعيا, وموجبا, ومناطا, وباعثا وأمارة, وعلامة, ومشتركا, وأمثال ذلك, ثم إذا أراد المستدل أن يصوغ هذا قياس شمول قال النبيذ مسكر, وكل مسكر حرام, ولا بد له من إثبات هذه القضية الكبرى, وهو قوله كل مسكر حرام كما يحتاج الأول إلى إثبات كون السكر هو مناط التحريم, والذي جعله الأول مناط الحكم جعله الثاني الحد الأوسط المتكرر في المقدمتين, ولا بد لكل منهما من الدلالة على ذلك, وكل من القياسين يتضمن حكما عاما كليا, ولهذا اتفق أرباب القياس الشمولي المنطقي على أنه لابد فيه من قضية كلية.
واتفق أرباب القياس التمثيلي على أنه لا بد فيه: من مشترك بين الأصل, والفرع, والمشترك هو الكلي لكن في قياس الشمول لا يجب أن يبين ثبوت الكلي في صورة من الصور المعينة, بل يقول الرجل السواد, والبياض, لا يجتمعان وإن لم يعين سوادا أو بياضا معينين, ويقول الكل أعظم من الجزء, ولا يعين شيئا.
وأما قياس التمثيل فلا بد فيه: من تعيين أصل يقاس به الفرع, ويمثل به, فيقال هذا السواد, وهذا البياض لا يجتمعان, فكذلك سائر السواد والبياض, وهذا الكل أعظم من هذا الجزء وهلم جرا.
ويقول أهل التمثيل: هذا أنفع لأن الكليات لا وجود لها في الأعيان, إنما وجودها في الأذهان, فإذا مثل الفرع بمعين ثابت في الخارج, أفاد ذلك معرفة شيء موجود معين, بخلاف الكلي الذي لا تتمثل أعيانه في الخارج.
ولهذا كل متكلم في كليات مقدرة لا يتصور أعيانها الموجودة في الخارج, فإما أن يكون كلامه قليل الفائدة بل عديمها, وإما أن يكون كثير الخطأ, والغلط, وإما أن يجتمع فيه الأمران ويقولون أيضا, إن العلم بكل واحد واحد من الأعيان يحصل بما به يحصل المعين الآخر, فإنا إذا قلنا الكل أعظم من الجزء, كان علمنا بأن هذا الكل أعظم من هذا الجزء, كعلمنا بذلك في الكل الآخر, فلم نستفد بالقضية الكلية علما بمعين, إلا والعلم بذلك المعين مستغن عن القضية الكلية ففيه تطويل بلا فائدة.
ويقول أهل قياس الشمول بل قياس التمثيل: لا يفيد إلا بتوسط تعليق الحكم بالمشترك, وهو الحد الأوسط فلا بد فيه من قضية كلية أيضا, لكن قد يدعى القايس الممثل تعليق الحكم بالمشترك بمجرد التمثيل, ولا يقيم دليلا على أن الوصف المشترك الجامع بين الأصل والفرع هو مناط الحكم الذي هو الحد الأوسط, وربما أثبت ذلك بطرق لا تفيد العلم كالاستقراء الناقص الذي هو نوع السبر, والتقسيم ونحو ذلك, ففي كل من القياسين قضية كلية, لكن صاحب الشمول يثبتها وصاحب التمثيل لا يثبتها.
قال أصحاب التمثيل بل صاحب الشمول: لا يمكنه إثباته إلا بطريق التمثيل وإلا فإذا نازعه المنازع في الشمول والعموم لم يكن له طريق إلا ذكر الأعيان, بأن يقول هذا الكل أعظم من هذا الجزء, وإذا قيل بل العقل يقضي بالقضية الكلية قضاء عاما قيل إنما كان ذاك بواسطة علمه بالجزئيات فيعود إلى التمثيل.
ولهذا توجد عامة قضاياهم الكلية منتقضة باطلة, لأنهم يدعون فيها العموم بناء على ما عرفوه من التجارب, والعادات, وتكون تلك منتقضة في نفس الأمر, كما هو الواقع, فإن من قال كل نار فإنها تحرق ما لاقته, إنما قال لأجل إحساسه بما أحس به من جزئيات هذا الكلي, وقد انتفض ذلك عليه بملاقاتها للياقوت, والسمندل وغير ذلك, وبسط الكلام في هذا له موضع آخر.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الفارس
إداري
إداري


ذكر عدد الرسائل : 1160
السٌّمعَة : 13
نقاط : 2574
تاريخ التسجيل : 08/02/2009

مُساهمةموضوع: تابع   الخميس أغسطس 06, 2009 8:47 pm

والـمـقـصـود هـنـا: التنبيه على أن كل واحد من قياس التمثيل, والشمول يفيد أمرا كليا مطلقا بواسطته يحصل العلم بالمعينات الموجودة في الخارج.
ثم قد يكون العلم بتلك المعينات غنيا عن ذينك القياسين, والمعين الذي لا نظير له لا يعلم لا بهذا القياس, ولا بهذا القياس, وقد تكون الكلية منتقضة, فالقياس لا يحصل بنفسه العلم بالمعينات, وقد لا يحصل العلم به مطلقا, وقد يكون كثير الانتقاض, بخلاف النصوص النبوية, فإنها لا تكون إلا حقا, وهي تخبر عن المعينات على ما هي عليه خصائصه لا بقياس الشمول, ولا بقياس التمثيل, فإن الله تعالى لا مثل له فيقاس به, ولا يدخل هو وغيره تحت قضية كلية, تستوي أفرادها.

فلهذا كانت طريقة القرآن, وهي طريقة السلف, والأئمة أنهم لا يستعملون في الإلهيات قياس تمثيل, وقياس شمول تستوي أفراده, بل يستعملون من هذا وهذا قياس الأولى, فإن الله له المثل الأعلى, فإذا أدخل هو سبحانه وغيره تحت قضية كلية مثل أن يقال القائم بنفسه لا يفتقر إلى المحل كما يفتقر العرض مثلا.
أو قيل: كل موجود فله خاصية لا يشركه فيها غيره, ونحو ذلك كان هو سبحانه أحق بمثل هذه الأمور من سائر الموجودات, فهو أحق بالغنى عن المحل من كل قائم بنفسه, وهو أحق بانتقاء المشارك له في خصائصه من كل موجود, وكذلك إذا قيس قياس تمثيل فكل كمال يستحقه موجود من جهة وجودة, فالموجود الواجب أحق به, وكل نقص ينزه عنه موجود, لكمال وجوده, فالموجود الواجب أحق بتنزيهه عنه, وهو أحق بانتفاء أحكام العدم وأنواعه, وأشباهه وملزوماته عنه من كل موجود.
وإذا كان الأمر الوجودي كالرؤية مثلا لا يتعلق إلا بأمور موجودة, لا يجوز أن تتعلق بمعدوم لأن العدم لا يكون سببا في للوجود, وكان كل ما كان أكمل وجودا, كان أحق بأن يرى.
كان الباري سبحانه بأن يرى أحق من كل موجود, وإذا كان تعذر الرؤية أحيانا, قد يكون لضعف الأبصار, وكان في الموجودات القائمة بنفسها ما تتعذر أحيانا رؤيته لضعف أبصارنا في الدنيا كان ضعفها في الدنيا عن رؤيته أولى وأولى.
وليس المقصود هنا: الكلام على أعيان المسائل, ولكن المقصود: بيان مسمى, وأنه وإن كان قد يحصل به من العلوم أمور عظيمة, فإنه لا يحصل به كل مطلوب, ولا يطرد في كل شيء.

فطرق العلم ثلاث:
أحدها: الحس الباطن, والظاهر: وهو الذي تعلم به الأمور الموجودة بأعيانها.
والثاني: الاعتبار بالنظر, والقياس, وإنما يحصل العلم به بعد العلم بالحس فما أفاده الحس معينا يفيده العقل, والقياس كليا مطلقا, فهو لا يفيد بنفسه علم شيء معين لكن يجعل الخاص عاما والمعين مطلقا, فإن الكليات إنما تعلم بالعقل كما أن المعينات إنما تعلم بالإحساس.
والثالث: الخبر والخبر يتناول الكليات والمعينات, والشاهد والغائب, فهو أعم وأشمل لكن الحس والعيان أتم وأكمل.
وقد تنازع الناس في السمع والبصر, أيهما أكمل.
فذهبت طائفة منهم: ابن قتيبة إلى أن السمع أكمل, لعموم ما يعلم به وشموله.
وذهب الجمهور: إلى أن البصر أكمل, فليس المخبر كالمعاين وليس كل ما يعاين يمكن الإخبار عنه, وليس العلم الحاصل بالخبر, كالعلم الحاصل بالعيان, وإن كان الخبر لا ريب في صدقه لكن نفس المرئي المعاين لا يحصل العلم به قبل العيان, كما يحصل عند العيان.
والتحقيق في هذا الباب: أن العيان أتم وأكمل, والسماع أعم وأشمل, فيمكن أن يعلم بالسماع والخبر, أضعاف ما يمكن علمه بالعيان والبصر أضعافا مضاعفة, ولهذا كان الغيب كله إنما يعلم بالسماع والخبر, ثم يصير المغيب شهادة, والمخبر عنه معاينا, وعلم اليقين عينُ اليقين.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الفارس
إداري
إداري


ذكر عدد الرسائل : 1160
السٌّمعَة : 13
نقاط : 2574
تاريخ التسجيل : 08/02/2009

مُساهمةموضوع: التتمة   الخميس أغسطس 06, 2009 8:49 pm

والمقصود هنا: أن الخبر أيضا لا يفيد إلا مع الحس, أو العقل, فإن المخبر عنه إن كان قد شوهد كان قد علم بالحس, وإن لم يكن شوهد فلا بد أن يكون شوهد ما يشبهه من بعض الوجوه وإلا لم يعلم بالخبر شيء, فلا يفيد الخبر إلا بعد الحس والعقل, فكما أن العقل بعد الحس فالخبر بعد العقل والحس.
فالإخبار يتضمن هذا وهذا, وكما أنه ليس كل ما علم بالقياس والعقل والاعتبار يمكن الإحساس بواحد واحد من أعيانه, فكذلك ليس كل ما علم بالخبر والسماع يمكن اعتباره بالقياس, إما لعدم النظير له من كل وجه, وإما لغير ذلك, ثم إذا كان الخبر صادقا لا كذب فيه أمن معه من الانتقاض والفساد, بخلاف القياس فإن كثيرا مما يبنى فيه على قضايا كلية تكون منتقضة وإن كان فيه ما ليس منتقضا.
والمقصود أنه: ليس كل شيء يمكن علمه بالقياس, ولا كل شيء يحتاج فيه إلى القياس, فلهذا قال الأئمة: ليس في المنصوصات النبوية قياس, وأما كونها لا تعارض بالأمثال المضروبة فهذا هو الذي ذكرناه من أن المنصوص لا يعارضه دليل عقلي صحيح.
أما قولهم: [لا تدرك بالعقول]: فإن نفس الغريزة العقلية التي تكون للشخص قد تعجز عن إدراك كثير من الأمور لا سيما الغائبات, فمن رام بعقل نفسه أن يدرك كل شيء, كان جاهلا لا سيما إذا طعن في الطرق السمعية النبوية الخبرية, وهذا هو الذي يسلكه من يسلكه من الفلاسفة, ومن يشبههم من أهل الكلام.
وهؤلاء هم الذين يذكر أبو حامد الغزالي وغيره تهافتهم, وتناقضهم, وأن ما يدعونه من المعارف الإلهية بعقولهم جمهوره باطل, وإن كان قد وقع في كلامه من كلام هؤلاء أمور قيل أنه رجع عنها, ولا ريب أن الرسل صلوات الله عليهم يخبرون الخلق بما تعجز عقولهم عن معرفته, ولا يخبرونهم بما يعلمون امتناعه, فهم يخبرونهم بمحارات العقول, لا بمحالاتها, فمن أراد أن يعرف ما أخبرت به الرسل بعقله, كان شبيها بمن قال الله تعالى فيه: [وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آَيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ], {الأنعام:124} وقال: [بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً]. {المدَّثر:52}
قال الخطابي: [وذهب العلماء إلى خلاف هذا الرأي, وجعلوا المعلومات قسمين: قسم: يمكن استدراكه وتثبته حقيقة.
وقسم: لا يعلم إلا ظاهره, ولا يتعرض لعلم باطنه, وطلب كيفيته وانتهوا في ذلك إلى ما نطق به الكتاب, وهو قوله سبحانه وتعالى: [وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ ], {آل عمران:7} يجعلون الوقف عند قوله: [إِلَّا اللهُ ] ويستأنفون الكلام فيما بعده, وهو مذهب الصحابة, وعبد الله بن مسعود, وأبي بن كعب, وعائشة, وابن عباس رضي الله عنهما قالوا: وقد حجب عنا أنواعا من العلم, كعلم قيام الساعة, وكعلم الروح حين يقول: [وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا], {الإسراء:85} وقال تعالى: [لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ]. {المائدة:101} وقال: [لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ] {الأنبياء:23}].

قلت: قد ذكرنا معنى لفظ التأويل في غير هذا الموضع, وأنه في اللغة التي نزل بها القرآن يراد به: حقيقة الشيء, كالكيفية التي لا يعلمها إلا الله, كما قال مالك: الاستواء معلوم, والكيف مجهول.
ويراد به التفسير, وهو كقوله: الاستواء معلوم, فإن تفسيره ومعناه معلوم, ويراد به تحريف الكلم عن مواضعه, كتأويلات الجهمية مثل تأويل من تأول, استوى بمعنى استولى, وهذا الذي اتفق السلف والأئمة على بطلانه, وذم أصحابه, ومثل هذا لا يقال فيه لا يعلمه إلا الله, بل يقال إنه باطل, وتحريف, وكذب, ولكن في القسم الأول يقال لا يعلمه إلا الله, وأما القسم الثاني فيعلمه الله وقد يعلمه الراسخون في العلم.

.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
تعليق شيخ الإسلام على رسالة الغنية في أهل الكلام للخطابي الشيخ العلامة العبيلان
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتــــدى أبنـــاء السلــــــــف :: منتدى المحاضرات،الدروس والخطب الدعوية-
انتقل الى: