منتــــدى أبنـــاء السلــــــــف

منتــــدى أبنـــاء السلــــــــف


 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثدخولالتسجيل

شاطر | 
 

 وَ اعْبُدُوا اللهَ وَ لَاتُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً الشيخ العلامة أحمد النجمي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الفارس
إداري
إداري
avatar

ذكر عدد الرسائل : 1160
السٌّمعَة : 13
نقاط : 2574
تاريخ التسجيل : 08/02/2009

مُساهمةموضوع: وَ اعْبُدُوا اللهَ وَ لَاتُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً الشيخ العلامة أحمد النجمي   السبت فبراير 20, 2010 4:25 pm

وَ اعْبُدُوا اللهَ وَ لَاتُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً

مـقــدمـــة


إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:102].

﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:1].

﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا﴾ [الأحزاب:70].

أما بعد:

فإن خير الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ج، وشر الأمور محدثاتُها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

فإن من أفضل الأعمال الَّتِي يقوم بِها أهل العلم والإيْمان هو تصحيح الاعتقاد لدى بني البشر وبخاصة من ينتسب للإسلام وذلك لطرو الشرك ومظانه على هذه الأمة والذي اجتالت به الشياطين أكثر الناس -والعياذ بالله- ومن أجل هذا الأمر أرسل الله رسله -عليهم الصلاة والسلام- لانتشال الناس من الإشراك بالله وعبادة ما سواه إلى توحيده سبحانه و تعالى فبلغ هؤلاء الرسل الكرام -عليهم الصلاة والسلام- أممهم وأنذروهم وحذروهم، فجزاهم الله خير الجزاء على ما قدموا، ثُمَّ تتابع على هذا الأمر ورثة الأنبياء وهم علماء أهل السنة والجماعة وبينوا للناس توحيد الله سبحانه و تعالى وحذروهم من البدع والشرك وهم بحمد الله قائمون بِهذا الأمر إلى يومنا هذا.

وممن كان لـه نصيب كبير في هذه السنة العظيمة -أي: نشر التوحيد الخالص والسنة النبوية الصحيحة الثابتة- فضيلة شيخنا المحدث العلامة ناشر السنة وقامع البدعة: أحمد بن يحيى بن محمد النجمي -حفظه الله تعالى- مفتى جنوب المملكة العربية السعودية، كما كان لشيخه الإمام المجدد: عبد الله القرعاوي -رحمه الله- نصيب الأسد في نشر عقيدة السلف في جنوب المملكة العربية السعودية، فتأثر به تلميذه شيخنا أحمد -حفظه الله وبارك في عمره وعلمه- فكان من الجهد الذي بذله في نشر هذه العقيدة السلفية هذه الرسالة الَّتِي أنا قمت بتحقيقها والتعليق عليها فهي كانت أصلاً لمحاضرة ألقاها شيخنا قبل مدة كبيرة من الزمن في أحد مساجد مدينة صامطة، وحيث كان الشيخ قد وكل إلي مراجعة هذه الرسالة فاستأذنته في تحقيقها والتعليق عليها ليعم بِها النفع، ولحاجة المسلمين الماسة إليها.

وفِي الختام: هذا جهد المقل فما كان من صواب فمن الله وما كان من خطأٍ فمنِّي ومن الشيطان، فنسأل الله -جل وعلا- أن يجعل ذلك في ميزان حسنات الشيخ وفي ميزان حسناتي يوم نلقاه إنه ولي ذلك والقادر عليه.





كتبه

أبو عبد الرحمن المكي

صامطة 9/8/1424هـ



مـقـدمـة الـمــؤلـف

أحمدك اللهم يا من أنعمت علينا بنعمة الإسلام، وأصلي وأسلم على خير خلقك وأفضل رسلك المظلل بالغمام، المخصوص بالشفاعة العظمى والمقام المحمود الذي هو خير مقام، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الحشر والنشر والقيام.

أما بعد:

فقد اخترت لكم تفسير آية من كتاب الله عز وجل وهي قوله عز وجل : ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا﴾ [النساء:36].

فهذه الآية جمعت مع أصل العقيدة خصال الخير وأوجه البر وأنواع المعروف.

فأما أصل العقيدة: فهو الوصية بعبادة الله والنهي عن الشرك به، فتلك دعوة الرسل من أولهم إلى آخرهم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ...﴾ [النحل: من الآية36].

وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: من الآية 5]. وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: من الآية 13].

فالشرائع كلها متفقة على الأمر بالتوحيد وتحريم الشرك بالله، والعقول مجبولة على ذلك، قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:30].

وقال ج : (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يُمجسانه)([1]).

وفي رواية: (أو يشركانه كما تولد البهيمة بَهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء؟ حتَّى تكونوا أنتم الذين تجدعونَه)(2).([2])

والفطرة: معناها الخلقة والجبلة، فالعبد من حين يخلق مركوز في عقله معرفة الله والخضوع لجلاله والعبودية له، وهذا معنى الحديث: (خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين)([3]).

والعبادة: هي الغاية الَّتِي خلق لها الناس والحكمة الَّتِي أوجدهم الله من أجلها، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ -56, مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات:56-57].

والعبادة عرفها بعض العلماء: بأنَّها التذلل والافتقار لمن لـه الحكم والاختيار([4]).

وعرفها بعضهم فقال: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة([5]).

ويدخل في الأفعال: الأوامر والتروك.

والعبادة: هي واجب يلزم أداؤه بالدين والعقل.

أما الدين: فالقرآن الكريم كله يأمر بعبادة الله وحده.

وأما العقل: فمن المعلوم لدى كل عاقل أنه يلزم أن تتودد وتتقرب إلى من بيده خيرك وشرك ونفعك وضرك وغناك وفقرك وصحتك ومرضك وحياتك وموتك وإسعادك وإشقاؤك، وقد أوضح ذلك القرآن حيث قال: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ -21, الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:21-22].

فالواجب على العبد: أن يفرد الله بالعبادة، لأنه هو الذي أوجده من عدم، وسيره على القدم، وعلمه بالقلم؛ ولأنه هو الذي حوله من نطفة إلى علقة، ومن علقة إلى مضغة، ومن مضغة إلى لحم ودم وخط له الأنف والحدقة، ولأنه هو الذي خلق له اللسان، وأنطقه بالبيان وخلق له اليد والرجل والبنان؛ ولأنه هو الذي فصل أعضاءه هذا التفصيل العجيب، وركبه أحسن تركيب، فتبارك الله أحسن الخالقين وقد أجمل القرآن ذلك في قوله: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ...﴾ .

ووجَّه القرآن العقل البشري في غير موضع وأيقظه من نومه ووجهه إلى التفكير في الأصل والمنشأ، فقال تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ -5, خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ -6, يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق:5-7]. وقال تعالى: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ -20, فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ -21, إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ -22, فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ [المرسلات:20- 23] إلى غير ذلك من الآيات.

وفي الحديث الصحيح عن ابن مسعود عز وجل أنه سأل رسول الله ج فقال: (أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك. قال: ثُمَّ أي؟ قال: ثُمَّ أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك. قال: ثُمَّ أي؟ قال: أن تزاني بحليلة جارك)([6]).

وإذا علمنا هذا فإن من أدى هذا الحق لله -جل وعلا- فقد وعده الله أن يدخله الجنة على ما كان من العمل، ففي الصحيح أنَّ معاذ بن جبل عز وجل كان رديف النَّبِي ج على حمار، فقال له رسول الله ج: (يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: حق الله على العباد: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، ثُمَّ قال: أتدري ما حق العباد على الله إذا هم فعلوا ذلك؟ فقلت: الله ورسوله أعلم. قال: حقهم عليه ألا يعذبَهم إذا هم فعلوا ذلك)([7]).

وعن عبادة بن الصامت عز وجل أنَّ رسول الله ج قال: (من شهد أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله وأنَّ عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروحٌ منه وأنَّ الجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل)([8]). أخرجاه في الصحيحين.

فالعبادة هي سبب النجاة، والحق المذكور في الحديث أوجبه الله على نفسه لعباده، ولَم يوجبه عليه أحد من خلقه([9])، ثُمَّ قال تعالى: ﴿وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾.

واعلم أن العبادة الَّتِي تقدم وصفها هي العبادة الخالية من الشرك، فلا تسمى عبادة شرعية إلا إذا كانت خاليةً من الشرك، وأي عبادةٍ كانت مشوبةً بالشرك فهي مردودةٌ، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ...﴾ [البينة: من الآية5]. وقال تعالى: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِص ...﴾ [الزمر: من الآية3]. وقال تعالى: ﴿... فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: من الآية110].

وقال النَّبِي ج: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك معيَ فيه غيري تركته وشركه)([10]) رواه مسلم عن أبي هريرة.

والشرك أنواعٌ متعددةٌ وخصالٌ متباينةٌ.

أعظمه: أن تعتقد الألوهية في مخلوقٍ وتجعل له شيئًا من التصرفات الَّتِي هي من خصائص الله عز وجل وذلك هو الشرك الأكبر، فمن اعتقد في مخلوقٍ القدرة على إنزال المطر، أو شفاء المرض، أو اعتقد أنه يعلم الغيب، أو يحفظ الجنين في بطن أمه، أو يوجده وهو ليس بموجود، فقد جعل لله ندًّا في ألوهيته، واستحق الخلود([11]) في النار.

ومن ذلك: أن يعتقد أن فلانًا يلدح لامرأته، بمعنى أنه يضرب بيده في ظهرها عندما تغتسل من الحيض فتحمل في ذلك الطهر، فإذا حملت في ذلك الطهر وجاءت بولدٍ سموه باسمه ورأوا أنه هو الذي أعطاهم الولد، ومن ذلك أن يعتقد أن فلانًا يجعل للجنين لزمة فلا يسقط، أو يلوث على الدابة فلا تأكلها السباع، وأن فلانًا يغمز من المرض الفلاني فيشفيه، لأنه له؛ إلى غير ذلك من الترهات الَّتِي ما أنزل الله بِها من سلطان، وكان المعروف في المجتمع بجهتنا([12]) قبل مجيء الشيخ عبد الله بن محمد القرعاوي -رحمه الله-([13]) الذي قضى بإذن الله على هذه العقائد الفاسدة.

كانوا يقولون: "السوداء للمريدية".

والسوداء: هو مرض يأتي في الأطراف، في الأيدي والأرجل، حكة تسيل الدماء ويتجرح الجلد، فكانوا يزعمون أنَّهم إذا جاءهم هذا الداء يزورون به قبرًا يسمى "المريدية" فيشفى.

ويقولون: "الشجرة لبحر الْمحب".

والشجرة: هي قروح تأتي في الجلد مدورة.

وبحر الْمحب: مكان في طرف البحر في اليمن قريبًا من الحديدة([14]) -فيما أظن- فكانوا يزعمون أن من ذهب إلى هذا المكان في البحر ذهب منه هذا الداء بعد أن يغتسل فيه.

وكانوا يقولون: "الملطومة لبني فلان".

والملطومة: هو داء يميل بالفم إلى جانب والوجه إلى جانب أيضًا فيعتقدون أنه لقوم من الناس.

وهكذا وزعوا أقدار الله الَّتِي يقدرها على عباده، وزعوها على المخلوقين.

فمن زعم هذا الزعم، واعتقد هذا الاعتقاد، فهو مشرك بالله شركًا أكبر.

ومن ذلك: أنَّهم كانوا يعتقدون أن الرجل إذا مات أولاده ففي زوجته أو ولده الكبير الذي يُموت الأولاد بعده فيه شوعي، فيذهب الرجل بامرأته وولده إلى المشوع، وهو ساحر مشعوذ باليمن، فيعرك وجه المرأة أو الولد ويضرب بخرزة من مسبحته المشئومة في جبهة المريض فيما يزعم ويخرج لهم طيرًا يشبه الشذبة وهي الحشرة الَّتِي تأتي على الماشية كالإبل والبقر والحمير، ويزعم بأن ذلك هو الشوعي الذي كان يموت الأطفال ثُمَّ يقول لهم: اذبحوا تيسًا أو كبشًا أسود على شعره وقسموه، وإذا حصلتم على ولد فسموه شوعي، أو بنت فسموها شوعية.

ومن ذلك: الذهاب إلى الكهان والمنجمين لمعرفة اسم الولد الذي يكون سعدًا عليه، أو لمعرفة الليلة الَّتِي يتزوج فيها الخاطب ويعمل عقد القرآن خوفًا من أن يتزوج في ليلة تكون نحسًا عليه كما زعموا، فيزعم لـه الكاهن أو المنجم أن الليلة الفلانية نحسًا عليك، والليلة الفلانية سعدًا عليك، تحصل أولادًا وتكون زوجتك مبروكة وتدخل عليك بالخير والثراء والرزق، إلى غير ذلك من الأكاذيب والتدجيل الذي يحصل من الكهان لعوام الناس وضعفاء الدين، وقد قال النَّبِي ج: (من أتى كاهنًا فصدقه بِما يقول فقد كفر بِما أنزل على محمد ج)([15]).

وكذلك: الذهاب إلى المقذية، وهي مشعوذة مشهورة تدجل على الناس وتضللهم، فتزعم أنَّها تخرج الدودة من الألم، أو تخرج الشوكة من المصاب، وذلك كله دجل وتضليل وما أشبه ذلك من السحر والحيل الَّتِي تسلكها هذه المشعوذة في تضليل عقول السذج من الناس.

وكذلك: من يذهب إلى الكشاحة([16]) ويزعم أنَّها تدله على مكان الضالة، أو حال الغائب، وما أشبه ذلك من علم الغيب الذي اختص الله به، ومن جعله لمخلوق فقد أشرك بالله شركًا أكبر يستحق عليه الخلود في النار إن مات على ذلك.

قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا -26, إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجن:26، 27].

وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان:34].

وفي حديث ابن المنتفق أن النَّبِي ج قال: (ظن ربك بخمس. ثُمَّ تلا هذه الآية)([17]). الَّتِي تقدم ذكرها في سورة لقمان، وهذه الأنواع كلها متعاطيها مشرك بالله شركًا أكبر يستوجب الخلود في النار.

ومن ذلك: أن يعتقد البدة أنَّها تُميت الطفل سواء كان ذكرًا أو أنثى وأنَّها تخرجه من القبر وتقلبه دابةً وهذا الاعتقاد سائدٌ في بلاد اليمن وبعض بلدان العالم، وكذلك أيضًا من اعتقد أن المورده وهي امرأة تزعم بأنَّها تذهب إلى الموتى وتلتقي بِهم وتعلم حالهم هل كانوا في عذاب أو نعيم فيعطيها بعض الناس جعلاً على أن تورد لهم على موتاهم فيجعل لها في رأسها من الطيب والروائح ويغلق عليها في بيت إلى اليوم الثاني ضحى تزعم بأنَّها في رحلتها هذه تلتقي بأهل البرزخ وتطلع على أحوالهم، والحقيقة أنَّها تكون مع الشياطين يركبونَها ويخبرونَها ببعض الأشياء فيظن الناس صدقها.

فمن اعتقد هذه الاعتقادات فهو مشرك بالله الشرك الأعظم الذي لا يغفره الله، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء:48].

وهذا الشرك هو الذي يستوجب صاحبه الخلود في النار وحرمان الجنة، قال تعالى على لسان عيسى بن مريم: ﴿... يَا بَنِي إِسْرائيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: من الآية72].

والشرك: أعظم ذنب عصي الله به على الإطلاق ففي الحديث الذي سبق ذكره عن ابن مسعود عز وجل أنه سأل رسول الله ج فقال: (أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك. قال: ثُمَّ أي؟ قال: ثُمَّ أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك. قال ثُمَّ أي؟ قال: أن تزاني بحليلة جارك)([18]).

فقدم الشرك على قتل الولد، مع أن قتل الولد من أعظم الجرائم فحشًا ونكرًا، فهو قتل لنفس مسلمة، والله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء:93].

وهو أيضًا اعتداءٌ على ضعيف، وفي الحديث القدسي: (اشتد غضبي على من ظلم من ليس له ناصر غيري)([19]).

وهو أيضًا قطيعة للرحم والله تعالى يقول: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد:22].

وهو أيضًا قنوط من رحمة الله وسوء ظن به والله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ﴾ [الحجر:56].

ومع أن قتل الولد بِهذه النكارة والفظاعة وقد اجتمعت فيه أربع جرائم كان في المرتبة الثانية بعد الشرك بالله، وفي المرتبة الثالثة([20]) بعد ذلك الزنا بحليلة الجار.

والزنا جريمة عظيمة وفاحشة كبرى؛ لأنه خرق لسنة الله في الكون والإنسان، تلك السنة الَّتِي أشار إليها القرآن بقوله: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ...﴾ [الحجرات: من الآية13]، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا ..﴾ [الفرقان: من الآية54].

ولا يكون الناس شعوبًا وقبائل وأفخاذًا وأسرًا إلا إذا كان التناسل بطريقة النكاح الصحيح، أما الزنا فهو نشر للفوضى، وتكيف بطبيعة الحيوان الذي يسير على غير نظام، وتتناكح ذكوره وإناثه، وتتناسل على غير الطريقة المرسومة للإنسان، وهو مع ذلك جناية على الطفل الذي يصبح مضيع النسب، ليس له عائل يعوله، ولا قبيلة تئويه، ولا أب يقوم عليه، ويدافع عنه([21])، ومع هذا فإن الزنا بحليلة الجار أشد من مطلق الزنا بعشرة أضعافٍ كما جاء في الحديث: (لأن يزني أحدكم بعشر نسوة خيرٌ له من أن يزني بحليلة جاره)([22])، ومع هذا فقد كان الزنا بحليلة الجار في المرتبة الثالثة بعد الشرك، فهل يجوز لأحد أن يتهاون بالشرك بعد هذا؟ إنه لا يتهاون به إلا من هان على الله وسيلقى الهوان يوم القيامة، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا -68, يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ [الفرقان:68-69].

وبقي أنواعٌ من الشرك بالله يجب أن نذكرها ليعلمها الناس فيحذروها ومن ذلك تعليق الودع، والخرز، والتمائم، وغير ذلك مما يتعلق به الناس كعظم النسر، وعظم الضبع، الَّتِي تسمى في بلادنا "جِعَار"، أو عين الذئب الَّتِي يزعمون أنَّها تدفع الشياطين، وحمل الختين للشفرة، والنفساء للشرمة، وجعل السحب تحت سرير الرضيع ليدفع عنه الشياطين، وتعليق حبة السوداء والمرة والحلتيت لدفع العين، أو حبة السوداء والقحف وعود السداد لدفع العين عن الدابة، وغير ذلك من التعليقات الَّتِي كلها شرك بالله سبحانه و تعالى ، وفي الحديث: (من تعلق شيئًا وكل إليه)([23]).

أما تعليق التمائم فالأصح فيه عدم الجواز؛ لأنه يعرض القرآن للإهانة، فالمرأة تحمله حائضًا ونفساء وفي بيت الخلاء، أي عند قضاء الحاجة وفي حال الوطء، والطفل والرجل كذلك يحملانه في الحالات الَّتِي تتنافى مع عظمة القرآن وجلالة قدره.

أما الرقى فهي جائزة بثلاث شروط([24]):

1- أن تكون من كتاب الله عز وجل ، أو من سنة رسول الله ج.

2- أن تكون باللفظ العربي.

3- أن لا يعتقد فيها المرء بل يعتقد أنَّها سبب، والله هو الشافي.

وأما الحلف بغير الله فهو شرك قال ج: (لا تحلفوا بآبائكم، من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليسكت)([25]).

وفي حديث آخر: (من حلف بغير الله فقد أشرك)([26]).

وفي حديث آخر: (من حلف بالأمانة فليس من)([27]).

ومن لَم يكن من رسول الله وأمته فكيف يرجو شفاعته يوم القيامة، وكيف يرجو أن يكون في عداد أمته المرحومة، إن ذلك من الرسول ج تبرؤ من الشرك والمشركين.

فيجب على المسلم: أن يحذر الحلف بغير الله، سواء كان بالأمانة، أو حلف بالطعام الذي يؤكل -بالعيش والملح- وهاذي الشاذلية والقهوة الَّتِي تشرب، ومعزتك، ومخوتك -أي: حلف بالإخوة- وما أشبه ذلك؛ لأن الحلف تعظيم للمحلوف به ومن عظم غير الله فقد أشرك.

إلا أن الذي ينبغي أن يتنبه له هو أن الحلف بغير الله من الشرك الأصغر الذي لا يخرج من الملة، وإنَّما يكون مخرجًا من الملة إذا عظم غير الله كتعظيم الله أو أكثر، وذلك فيما بلغنا أن قومًا من الناس إذا فعل بعضهم شيئًا أو اتّهم بشيء يحلف بالله أيْمانًا كثيرةً ولا يبالي في حالة أنه يعلم من نفسه أنه كاذبٌ في يمينه، فإذا قيل له احلف بالسيد الفلاني أو المشهد الفلاني تلكأ وخاف واعترف بِما اتّهم به، فهذا لا شك أنه من الشرك الأكبر المخرج من الملة.

أما الدليل على أن الحلف بغير الله من الشرك الأصغر الذي لا يخرج من الملة إذا كان مما يجري على اللسان من غير قصد للتعظيم فهو ما ورد في الصحيحين أن النَّبِي ج لحق بعمر بن الخطاب عز وجل وهو يقول: ورأس أبي، فقال النَّبِي ج: (لا تحلفوا بآبائكم من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليسكت)([28])، فدل هذا على أن الصحابة كان يجري منهم الحلف بغير الله قبل أن يحرم.

ومن الأدلة أيضًا: رؤيا الطفيل حيث قال: رأيت فيما يرى النائم أني مررت بقوم من اليهود فقلت لهم: (إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون عزير ابن الله، فقالوا: وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد، وتقولون: والكعبة، ثم مررت على قوم من النصارى، فقلت لهم: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله، فقالوا: وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد، وتقولون: والكعبة فأخبر بذلك النَّبِي ج فقام خطيبًا، فقال: (إنكم لتقولون كلمة كان يَمنعني أن أنْهاكم عنها كذا وكذ)([29]). فدل ذلك على أن الحلف بغير الله كان مباحًا في أول الإسلام ثم نسخت الإباحة بالتحريم، وهذا يدل على أنه من الشرك الأصغر والله أعلم.

بقى معنا الشرك الخفي وهو الرياء، قال ج: (أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، فسئل عنه فقال: الرياء)([30]).

وعن أبي سعيد الخدري عز وجل قال: خرج علينا رسول الله ج ونحن نتذاكر المسيح الدجال فقال: (ألا أخبركم بِما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال. قلنا: بلى يا رسول الله، فقال: الشرك الخفي، أن يقوم الرجل يصلي فيزين صلاته لِمَا يرى من نظر رجل إليه)([31]) رواه ابن ماجه.

وروي أيضًا عن شداد بن أوس عز وجل قال: قال رسول الله ج: (إن أخوف ما أتخوف على أمتي الإشراك بالله، أما أني لست أقول يعبدون شمسًا ولا قمرًا ولا وثنًا، ولكن أعمالاً لغير الله وشهوة خفية)([32]) أخرجه الحكيم الترمذي.

وروي عن يزيد بن حبيب مرسلاً وفي سنده ابن لهيعة، قال: سئل رسول الله ج عن الشهوة الخفية قال: (هو الرجل يتعلم العلم يحب أن يجلس إليه)([33]).

ثُمَّ اعلم أن الرياء إما أن يكون هو الباعث على العمل فيكون من الشرك الأكبر، وهو رياء المنافقين الذين أخبر الله عنهم أنَّهم يصلون إذا كانوا في المشهد -أي: بين الناس- ويتركون الصلاة إذا غابوا عن الناس، قال تعالى: ﴿...وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً -142, مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾ [النساء:142-143]. أي: لا هم من المؤمنين الصادقين ولا من الكفار المعروفين.

وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ -4, الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ -5, الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ -6, وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون:4- 7]. فهذا داخل في مسمى الشرك الأكبر وهو كفر بالله وموجب للخلود في النار، قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا -59, إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [مريم: من الآية60].

أما القسم الثاني: وهو العارض في العمل، فإما أن يتغلب على الإنسان حتَّى يحبط عمله والعياذ بالله، وإن عرض له ثُمَّ ذهب كان النقص بقدر ما فيه من الرياء والله أعلم.

ومن أعظم الترهيب من الرياء ما جاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة عز وجل أن رسول الله ج قال: (أول من تسعر بِهم النار يوم القيامة ثلاثة: رجل قرأ القرآن فيؤتى به يوم القيامة فيقرره الله بنعمه ثُمَّ يقول له: يا عبدي ماذا عملت فيما آتيتك؟ فيقول: يا رب علمتني القرآن فتلوته آناء الليل وآناء النهار وكذا وكذا ... فيقول الله -جل وعلا-: كذبت فإنَّما قرأت ليقال فلان قارئ فقد قيل ألقوه في النار.

ثُمَّ يؤتى برجل مجاهد مثل ذلك ومتصدق مثل ذلك وفي آخر الحديث قال ج: (يا أبا هريرة هؤلاء هم أول من تسعر بِهم النار يوم القيامة)([34]).

قال سهل بن عبد الله التستري: الرياء على ثلاثة([35]) وجوه:

الأول: أن يعقد في أصل فعله لغير الله ويريد به أن يعرف أنه لله، فهذا صنف من النفاق وتشكيك في الإيمان .

الثاني: أن يدخل في الشيء لله، فإذا أطلع عليه غير الله نشط فهذا إذا تاب ينبغي عليه أن يعيد ما عمل.

الثالث: دخل في العمل بالإخلاص وخرج به لله فعرف بذلك ومدح عليه وسكن إلى مدحهم فهذا الرياء الذي نَهى الله عنه.

وقال سهل أيضًا: قال لقمان لابنه: الرياء أن تطلب ثواب عملك في الدار الدنيا وإنَّما عمل القوم للآخرة، قيل له: فما دواء الرياء؟ قال: كتمان العمل، قيل: كيف يكتم العمل؟ قال: ما كلفت إظهاره من العمل فلا تدخل فيه إلا بالإخلاص، وما تكلف إظهاره أحب أن لا يطلع عليه إلا الله، قال: وكل عمل اطلع عليه الخلق فلا تعده من العمل([36]).

قلت: ليس مجرد اطلاع الخلق يبطل العمل، ولكنه يبطله ما في القلب من حب الثواب العاجل، فمتى أحب أن يطلعوا عليه ليتأسوا به فيه فهذا ليس من الرياء، ولكن ينبغي ألا يأمن منه على نفسه، وقد أرشد النَّبِي ج من وجد شيئًا من ذلك في نفسه أن يقول: (اللهم إني أعوذ بك من أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لِمَا لا أعلم إنك تعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب)([37]).

وأن يقول: (اللهم فاطر السموات والأرض رب كل شيء ومليكه أشهد أن لا إله إلا أنت أعوذ بك من شر نفسي ومن شر الشيطان وشركه)([38]).

وأن يقول: (اللهم ألهمني رشدي وأعذني من شر نفسي)([39]) فمتى استعمل العبد هذه الأدعية يرجى له أن يصرف الله عنه الرياء، وأن يجعل عمله خالصًا لله تعالى، والله أعلم.

وقوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ بعد أن أوصى الله عز وجل بحقه لأنه هو الخالق الرزاق المتصرف، أوصى بحق الوالدين؛ لأنَّهما السبب في وجود العبد بعد الله تعالى؛ ولأن لهما الفضل عليه بعد الله ما لَم يكن لأحدٍ سواهما، فهما اللذان غذياه وربياه وسهرا على راحته في الصغر، ولهذا كثيرًا ما يقرن الله حقهما بحقه، كقولـه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ..﴾ [الاسراء: من الآية23].

وقوله: ﴿.... أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: من الآية14].

وقال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: من الآية36].

ووصى وأكد بحقهما وحض على حق الأم أكثر فقال: ﴿وَوَصَّيْنَا الإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الاحقاف: من الآية15].

وقال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ
بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت:8].

وقال في سورة لقمان بعد أن ذكر الله -جل وعلا- وصية لقمان لابنه وتحذيره إياه من الشرك، فقال -جل وعلا-: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ -13, وَوَصَّيْنَا الإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ -14, وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [لقمان:13-15].

أما السنة: فقد وردت فيها أحاديث كثيرة تبين حق الوالدين وأنه أعظم الحقوق وآكدها بعد حق الله، فمنها ما رواه الشيخان عن أبي عمرو الشيباني واسمه سعد بن إياس، قال: حدثني صاحب هذه الدار وأشار بيده إلى دار عبد الله بن مسعود عز وجل ، قال :سألت النَّبِي ج: (أي العمل أحب إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها، قلت: ثُمَّ أي؟ قال: بر الوالدين. قلت: ثُمَّ أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله)([40]).

وفي الصحيحين أيضًا من حديث أبي هريرة عز وجل قال: (جاء رجل إلى النَّبِي ج فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك. قال: ثُمَّ مَنْ؟ قال: أمك. قال: ثُمَّ مَنْ؟ قال: أمك. قال: ثُمَّ مَنْ؟ قال: ثُمَّ أباك). وفي رواية: (ثُمَّ أدناك أدناك)([41]).

وعن بَهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: (قلت: يا رسول الله من أبر قال: أمك، قال: قلت: ثُمَّ مَنْ؟ قال: أمك. قال: قلت: ثُمَّ مَنْ؟ قال: أمك. قال: قلت: ثُمَّ مَنْ؟ قال: أباك، ثُمَّ الأقرب فالأقرب)([42]).

وفي رواية لأبي داود قال: قال رسول الله ج: (لا يسأل رجل مولاه من فضل هو عنده فيمنعه إياه إلا دعي له يوم القيامة فضله الذي منعه شجاعًا أقرع)([43]) قال أبو داود: الأقرع: الذي ذهب شعر رأسه من السم.

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص y أن رجلاً أتى النَّبِي ج فقال: (يا رسول الله إن لي مالاً وولدًا وإن أبي يجتاح مالي، فقال: أنت ومالك لوالدك، إن أولادكم من أطيب كسبكم فكلوا من كسب أولادكم)([44]) أخرجه أبو داود بسندٍ حسن وله شواهد لا ينحطُ معها عن درجة الصحيح لغيره.

وفي صحيح مسلم والترمذي عن أبي هريرة عز وجل قال: (سمعت رسول الله ج يقول: رغم أنفه، رغم أنفه، رغم أنفه. قيل: من يا رسول الله؟ قال: من أدرك والديه عند الكبر أحدهما أو كلاهما فلم يدخل الجنة)([45]).

وفي سنن الترمذي عن ابن عمرو بن العاص y أن رسول الله ج قال: (رضا الرب في رضا الوالد، وسخط الرب في سخط الوالد)([46]) إسناده صحيح.

والبر ثوابه معجل مع ما يدخر لصاحبه من الثواب المؤجل في الآخرة وقد صح عن النَّبِي ج أنه قال: (عفوا تعف نسائكم، وبروا آباءكم تبركم أبناؤكم)([47]).

قوله تعالى: ﴿وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ عطف على الوالدين -أي: وأحسنوا إلى ذي القربى- والقربى: مصدر كالرجعى والعقبى -أي: وأمرناهم بالإحسان إلى القرابات بصلة أرحامهم- قال الله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ -22, أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد:22-23].

وفي صحيح مسلم في كتاب الإيْمان، باب: الإيْمان الذي يدخل به الجنة، عن أبي أيوب عز وجل أن أعرابيًّا عرض لرسول الله ج وهو في سفر فأخذ بخطام ناقته أو بزمامها ثُمَّ قال: (يا رسول الله أو يا محمد أخبرني بِما يقربني من الجنة ويباعدني من النار، قال: فكف النَّبِي ثُمَّ نظر في أصحابه ثُمَّ قال: لقد وفق أو لقد هدي. قال: كيف؟ قلت: قال: فأعاد. فقال النَّبِي ج: تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم، دع الناقة). وفي الرواية الثانية: (أن النَّبِي ج قال حين أدبر: إن تَمسك بِما أمر به دخل الجنة)([48]).

قال النووي([49]) في شرح هذه الفقرة: أي: تحسن لأقاربك وذوي رحمك بِما تيسر حسب حالك وحالهم من إنفاق أو سلام أو زيارة أو طاعتهم أو غير ذلك.

قلت: الطاعة لابد أن تكون مقيدة في المعروف كما قيدها النَّبِي ج في البيعة.

وقد ورد في صلة الرحم أحاديث، منها: ما رواه البخاري في كتاب الأدب من صحيحه عن أبي هريرة عز وجل عن النَّبِي ج قال: (إن الرحم شجنة([50]) من الرحمن فقال الله: من وصلك وصلته ومن قطعك قطعته)([51]).

وعن جبير بن مطعم قال: أنه سمع النَّبِي ج يقول: (لا يدخل الجنة قاطع)([52]) رواه مسلم بمثل هذا اللفظ. وقال ابن أبي عمر: قال سفيان: يعني قاطع رحم، ورواه من طريق مالك عن الزهري بلفظ: (لا يدخل الجنة قاطع رحم).

قال النووي([53]): هذا الحديث يتأول تأويلين سبقا في نظائره في كتاب الإيْمان:

أحدهما: حمله على من يستحل القطيعة بلا سبب ولا شبهة مع علمه بتحريمها فهذا كافر يخلد في النار ولا يدخل الجنة أبدًا.

والثاني: معناه ولا يدخلها في أول الأمر مع السابقين بل يعاقب بتأخره القدر الذي يريده الله -تبارك وتعالى-.

قلت: وهناك تأويل ثالث، وهو أنه لا يدخل الجنة العليا المعدة للمؤمنين الأبرار ويدخل بعد العذاب في جنة تليق بعمله والله أعلم.

ثُمَّ إن صلة الرحم سبب في سعة الرزق، وطول العمر، ففي الصحيحين من حديث أنس عز وجل مرفوعًا: (من سره أن يبسط له رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه). وفي الحديث أيضًا: (الصدقة على ذي القربى صدقة وصلة)([54]).

وقوله: ﴿وَالْيَتَامَى﴾ وهم جمع يتيم، واليتيم([55]): من فقد أبويه أو أحدهما، وإطلاق اليتيم على من مات أبوه أكثر؛ لأنه هو العائل والكاسب، وقد رغب الله عز وجل في إكرام اليتيم وكفالته، وتوعد على ظلمه ودفعه عن حقه وأكل ماله، فقال عز وجل : ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ -14, يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ -15, أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد:14- 16].

وقال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ -1, فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ -2, وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الماعون:1- 3].

وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء:10].

وقال تعالى: ﴿...وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: من الآية220].

وفي الحديث: (أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذ)([56]) أخرجه أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي عن سهل بن سعد، صحيح الجامع (1487).

وعن عائشة -رضي الله عنها- أن النَّبِي ج قال: (أنا وكافل اليتيم له أو لغيره في الجنة، والساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله)([57]) صحيح الجامع (1476)، وعزاه للطبراني في الأوسط.

والمساكين: جمع مسكين، وفسره ابن جرير بقوله([58]): هو الذي ركبه ذل الفاقة والحاجة فتمسكن، لذلك يقول -تعالى ذكره- استوصوا بِهؤلاء إحسانًا إليهم، وتعطفوا عليهم، والزموا وصيتي في الإحسان إليهم، قد ورد في تفسير المسكين حديث بلفظ: (ليس المسكين هذا الطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين هو الذي ليس له غنًى يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه ولا يقوم فيسأل الناس)([59]) صحيح الجامع (5384).

وقول الله تعالى: ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ -11, وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ -12, فَكُّ رَقَبَةٍ -13, أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ -14, يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ -15, أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد:11- 16]. معنى "ذا متربة": أي: التصق بالتراب فقرًا وحاجة ومسكنة، أي: أذلته الحاجة حتَّى ألصقته بالتراب، والله أعلم.

والجار ذي القربى: هو الجار الذي تصلك به قرابة ورحم، صح ذلك عن علي بن أبي طلحة ومجاهد وغيرهم. وفائدة تخصيصه بذلك أن الله قدمه في الوصية لأن له ثلاثة حقوق: "حق الجوار، وحق الإسلام، وحق القرابة".

وأما الجار الجنب: فهو الجار البعيد عنك في النسب الذي ليس بينك وبينه قرابة، نص على ذلك مجاهد وغيره كما رواه ابن جرير في تفسيره([60]).

وقد أوصى الشرع الإسلامي بالجار وأكد على حقه كثيرًا، فمن ذلك ما رواه البخاري ومسلم أن رسول الله ج قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت)([61]).

وفي الحديث الآخر في الصحيحين أيضًا: (مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه)([62]). صحيح الجامع (5504).

والمهم أن الله عز وجل أوصانا بالجار وأكد على حق الجار القريب أكثر، وقد جاء في الحديث الصحيح الذي ذكره الألباني -غفر الله له- في صحيح الجامع بلفظ: (خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره)([63]) رقم (3270)، وعزاه لأحمد في المسند والترمذي والحاكم عن عبد الله بن عمر مرفوعًا.

وقوله: والصاحب بالجنب([64]): قيل: هو الرفيق في السفر، ويحتمل أن يكون الزميل في العمل الذي يعمل إلى جنبك وتعمل إلى جنبه، ولكل حق الزمالة، فللمسافر على زميله في السفر بذل الزاد والمعروف وبسط الوجه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحكمة ورفق ولين، وعدم الخيانة وقلة الخلاف وعدوا من ذلك كثرة المزاح في غير مساخط الله.

وأما الزميل: فحقه بذل المعروف، وبسط الوجه والتغاضي عن الهفوات والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتعاون على طاعة الله عز وجل .

القول الثاني: أن الصاحب بالجنب: هي الزوجة ولها حق على زوجها ولزوجها حق عليها، فحقها على زوجها أن يطعمها مما يطعم ويكسوها مما يكتسي ولا يضرب الوجه ولا يقبح.

وحقه عليها أن تقوم بحقه إذا دخل: من إعداد طعام، وتَهيئة شراب، وغسل ثياب، وتنظيف البيت، وتنظيف نفسها، وتحسين منظرها له، والانبساط إليه، وحقه عليها إذا خرج أن تحفظه في نفسها وماله وأولاده.

وفي الصحيح أن النَّبِي ج قال في خطبته بعرفة في حجة الوداع:
(فاتقوا الله في النساء، واستوصوا بِهن خيرًا، فإنَّهن عوان عندكم، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلكم فاضربوهن ضربًا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتُهن بالمعروف)([65]).

أما قوله: وابن السبيل([66]): فالمراد به المسافر إذا انقطع به الزاد واحتاج إلى الإرفاد والعون والمواساة، فيجب على المسلمين إرفاده وعونه وإعطاؤه ما يوصله مأمنه.

وأما قوله: ما ملكت أيْمانكم: فإن معناه أحسنوا إلى ما ملكت أيْمانكم سواء كانوا من بني آدم أومن الحيوانات، وقد جاء في الحديث: (حسن الملكة من الإيْمان)([67]).

وفي سنن أبي داود: (ومن لا يلايـمكم من مماليككم فأطعموه مِمَّا تطعمون واكسوه مِمَّا تكسون، ومن لا يلايـمكم فبيعوه ولا تعذبوا خلق الله)([68]). ومعنى: لايْمكم: وافقكم.

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عز وجل عن النَّبِي ج قال: (للمملوك طعامه وكسوته ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق)([69]).

قال القرطبي -رحمه الله-([70]): وقد أمر الله عز وجل السادة بمكارم الأخلاق وحضهم عليها وأرشدهم إلى الإحسان وإلى سلوك طريق التواضع حتَّى لا يروا لأنفسهم مزية على عبيدهم إذ الكل عبيد الله، والمال مال الله ولكن الله سخر بعضهم لبعض وملك بعضهم لبعض إتمامًا للنعمة وتنفيذًا للحكمة، فإن أطعموهم أقل مما يأكلون وألبسوهم أقل مما يلبسون صفة ومقدارًا جاز ذلك، إذا قام بواجبه عليه ولا خلاف في ذلك، والله أعلم .

وروى مسلم عن عبد الله بن عمرو عز وجل أنه جاءه قهرمان له فدخل فقال: أعطيت الرقيق قوتَهم؟ قال: لا، قال: انطلق فأعطهم، قال: قال رسول الله ج: (كفى بالمرء إثْمًا أن يحبس عمن يَملك قوته)([71]).

أما الدواب والمواشي، فيجب على المالك لها أن يعطيها قوتَها من رعي وسقي وإلا وجب عليه أن يبيعها إن وجد من يشتريها، ولا يجوز له أن يجوعها، فإن لَم يجد ما ينفق عليها ولَم يجد من يشتريها وجب أن يسيبها هكذا قال فقهاء الحنابلة .

وفي الحديث الآخر: (سوء الخلق شؤم، وحسن الملكة نَماء، وصلة الرحم تزيد في العمر، والصدقة تدفع ميتة السوء)([72]). أخرجه أحمد في المسند (3/502) وفي سنده عثمان بن زفر مجهول وفيه مجهول آخر عن بعض بني رافع، وقال الألباني: ضعيف.

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا﴾ في هذه الخاتمة نفي محبة الله عمن كان مختالاً، والمختال هو المعجب بنفسه الذي يفتخر على الناس بما آتاه الله، ويستطيل بِها على الآخرين، والمحبة صفة من صفات الله الذاتية أثبتها في مواضع للمؤمنين والمتقين والمحسنين والمتوكلين، ونفاها عن المختالين والمتكبرين والمفسدين، فيجب علينا أن نؤمن بِها كما جاءت من غير تكييف ولا تعطيل ولا تأويل ولا تشبيه ولا تحريف ولا تمثيل، نؤمن بِهذه الصفات على ما تقتضيه في اللغة العربية الَّتِي خاطبنا الله عز وجل بِها في كتابه وعلى لسان رسوله ج، وهذا ما درج عليه سلف الأمة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وهو سبيل المؤمنين الذي أمر الله عز وجل باتباعه في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:115].

وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ا’.



أحمد بن يحيى النجمي





--------------------------------------------------------------------------------

([1])، (2) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز: باب إذا أسلم الصبي فمات (1358)
(1359) (1385)، ومسلم في كتاب القدر: باب معنى كل مولود يولد على الفطرة (6697) كلاهما من حديث أبي هريرة. وفي رواية: (أو يشركانه كما تولد البهيمة ...). وفِي رواية أخرى: (كما تنتج البهيمة).

وفي مسلم: (فأبواه يهودانه وينصرانه ويشركانه).

([3]) أخرجه أحمد في مسنده (17491)، ومسلم في كتاب الجنة: باب الصفات الَّتِي يعرف بِها في الدنيا أهل الجنة والنار (2865) بلفظ: (وإنَّهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم ...) كلاهما من حديث عياض بن حمار المجاشعي.

([4]) وبنحو هذا عرفها القرطبي -رحمه الله- حيث قال: "وأصل العبادة الخضوع والتذلل" انظر أحكام القرآن (1/157)، (17/38).

([5]) انظر رسالة "العبودية: (ص38)" لشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-.

([6]) أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان:68]. (4477) (4761) (7520) (7532)، ومسلم في كتاب الإيْمان، باب: كون الشرك أقبح الذنوب وبيان أعظمهما بعده (86) (142) كلاهما من حديث ابن مسعود.

([7]) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد، باب: اسم الفرس والحمار (2856) (5967)
(6227) (6500) (7373)، ومسلم في كتاب الإيْمان، باب: الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا (30) كلاهما من حديث معاذ بن جبل.

([8]) أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء، باب: قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء: من الآية171] (3435)، ومسلم في كتاب الإيْمان، باب: الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا (28) (46) كلاهما من حديث عبادة بن الصامت.

([9]) قال شيخ الإسلام بن تيمية -رحمه الله-: "... أهل السنة يقولون: هو الذي كتب على نفسه الرحمة وأوجب على نفسه الحق، لَم يوجبه عليه مخلوق، والمعتزلة يدَّعون أنه واجب عليه بالقياس على المخلوق وأن العباد هم الذين أطاعوه بدون أن يجعلهم مطيعين، وأنَّهم يستحقون الجزاء بدون أن يكون هو الموجب، وغلطوا في ذلك، وهذا الباب غلطت فيه القدرية الجبرية أتباع جهم، والقدرية النافية" ا.’. بواسطة فتح المجيد شرح كتاب التوحيد (ص43) طبعة رئاسة البحوث العلمية والإفتاء سنة 1422’.

قلت: وهو ما يسمى باستحقاق المقابلة وهو باطل قطعًا.

([10]) أخرجه مسلم في كتاب الزهد: باب من أشرك في عمله غير الله (2985) من حديث أبي هريرة .

([11]) ويؤيد هذا: قول الله -تبارك وتعالى-: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: من الآية72]. وقول النَّبِي ج: (من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة ومن لقيه يشرك به شيئًا دخل النار). أخرجه مسلم في كتاب الإيْمان، باب: من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل ا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
وَ اعْبُدُوا اللهَ وَ لَاتُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً الشيخ العلامة أحمد النجمي
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتــــدى أبنـــاء السلــــــــف :: منتدى العقيدة والتوحيد-
انتقل الى: