منتــــدى أبنـــاء السلــــــــف

منتــــدى أبنـــاء السلــــــــف


 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثدخولالتسجيل

شاطر | 
 

 وسائل الدعوة توقيفية- الحجج القوية على أن وسائل الدعوة توقيفية 4

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الفارس
إداري
إداري
avatar

ذكر عدد الرسائل : 1160
السٌّمعَة : 13
نقاط : 2574
تاريخ التسجيل : 08/02/2009

مُساهمةموضوع: وسائل الدعوة توقيفية- الحجج القوية على أن وسائل الدعوة توقيفية 4   الجمعة ديسمبر 18, 2009 6:53 pm





الحجج القوية على أن وسائل الدعوة توقيفية


وسائل الدعوة توقيفية


سبق ن بينا مشروعية الدعوة وحكمها وأنها عبادة عظيمة جليلة وذكرنا شروط وصحة العبادة التي يتوقف قبولها عليها .

كما ذكرنا ما يؤيد ويثبت دخول البدع ي العاديات على جهة التعبد .

وبعد هذا التمهيد الموجز ندخل في صلب موضوع الرسالة فنقول :

إن مسألة توقيفية وسائل الدعوة أو عدم توقيفيتها مسألة تنازع فيها طائفتان من العلماء المعاصرين .

فذهب طائفة إلى أن وسائل الدعوة اجتهادية ليست علي التوقيف فللداعى أن يختار ما يراه مناسباً من الوسائل التي تحقق الإصلاح والاهتداء للمدعوين ، ولو لم تكن وسيلة من وسائل الدعوة التي قام بها النبي r وصحابته الكرام.

وهذا القول يفسر أحد تفسيرين وبكل واحدٍ من التفسيرين أخذ جماعة .

التفسير الأول :

أن يكون المراد من هذا القول : أن كل طريق وأسلوبٍ يوصل إلى الغاية – وهي إصلاح العباد – يصح للداعي أن يسلكه ولو قد ورد الشرع بالنهي عنه والمنع منه ما دام يحقق تلك المصلحة .

وهذا القول على هذا التفسير هو ما يعرف باعتبار المصلحة التى شهد الشرع بإلغائها . هو قول باطل ، لأن في اعتبارها مخالفة لنصوص الشرع بالمصلحة .

( وفتح هذا الباب يؤدي إلى تغيير جميع حدود الشرائع ونصوصها ) ([31])

وما مستند هذا القول إلا القاعدة اليهودية الحاكمة بأن الغاية تبرر الوسيلة )) قال تعالى :

) وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ( (آل عمران:72)

ومن أمثلة ذلك :

تجويز الدخول على (( البرلمانات الكافرة )) بقصد الدعوة إلى الله تعالي ،وإصلاح لعباد والبلاد .

ومن المعلوم أن الدخول في(( تلك البرلمانات الكافرة )) هو في حقيقته تضييع لمقاصد الشرع في الضروريات فضلاً عن الحاجيات فضلاً عن التحسينيات. إذ هو هدم للدين من أساسه ، وتنازل عن أسمى غاياته ، وهي تحقيق توحيد الله تعالى ([32])

ومن أمثلة ذلك - أيضاً - :

تجويز الرقص والغناء والإضرار بالمسلم والافتراء عليه وحلق اللحى وإسبال الثياب .... في سبيل الدعوة إلى الله تعالى !!



التفسير الثاني :

أن يكون المراد من هذا القول : أن كل طريق وأسلوب يوصل إلى الغاية – وهي إصلاح العباد – يصح للداعي أن يسلكه ، بشرط عدم ورود إلغائه في الشرع .

والقول على هذا التفسير هو ما يعرف بالمصالح التي سكتت عنها الشواهد الخاصة ، فلم تشهد باعتبارها ولا بإلغائها .

ولكي يكون الكلام على ذلك القول بهذا التفسير واضحاً جلياً يجب أن يعلم أن ما سكتت عنه الشواهد الخاصة ، فلم تشهد باعتباره ولا بإلغائه على وجهين :

أحدهما : أن لا يرد نص على وفق ذلك المعنى . بمعني أن لا يوجد للعلة جنس معتبر في تصرفات الشرع : فلا يصح حينئذ التعليل بها ، ولا بناء الحكم عليها باتفاقٍ ، ومثل هذا تشريع من القائل به ، فلا يمكن قبوله .

الثاني : أن يلائم تصرفات الشرع ، وهو أن يوجد لذلك المعنى جنس اعتبره الشرع في الجملة بغير الجميلة بغير دليل معين ، وهو الاستدلال المرسل المسمى بالمصالح المرسلة ([33])


وإذا كانت هذه المصلحة تلائم تصرفات الشرع فإننا ننظر : هل المقتضي لقطعها لفعلها كان موجوداً على عهد رسول اللهr أو غير موجود .

( فكل أمر يكون المقتضي لفعله علي عهد النبي r موجوداً – لو كان مصلحة – ولم يفعل : يعلم أنه ليس بمصلحةٍ.

وأما ما حدث المقتضي بعد موته – من غير معصية الخالق – فقد يكون مصلحة ) ([34])

هذا ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى – في ضابط التفريق بين البدع والمصالح المرسلة .

إذا تقرر هذا فإن هناك سؤلاً لابد من الإجابة عنه هنا ، هو :

هل الشريعة تهمل مصلحة ما للعباد ؟

وفي الجواب عن هذا السؤال يقول شيخ الإسلام عندما تكلم عن المصالح المرسلة وذكر الخلاف فيها ، وقال عنها :

( والقول بالمصالح المرسلة يشرع في الدين ما لم يأذن به الله غالباً )

قال ( والقول الجامع : أن الشريعة لا تهمل مصلحة قط بل الله تعالى قد أكمل لنا الدين وأتم النعمة ، فما من شيء يقرب إلى الجنة إلا وقد حدثنا به النبي r وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعده إلا هالك .

لكن ما اعتقده العقل مصلحة وإن كان الشرع لم يرد به فأخذ الأمرين لازم له :

أما أن الشرع دل عليه من حيث لم يعلم هذا الناظر .

أو أنه ليس بمصلحة وإن اعتقده مصلحة لأن المصلحة هي المنفعة الحاصلة أو الغالبة .

وكثيراً ما يتوهم الناس أن الشيء ينفع في الدين والدنيا ويكون فيه منفعة مرجوحة بالمضرة ) ([35]) اهـ .

وهذا لا يقتضى إنكار(( المصالح المرسلة )) بل هي حق لا يصار إليها إلا عند توفر ضوابطها التي نص عليها أهل العلم وإذا تقيد الناظر بهذه الضوابط فإنه سيرى أن المصلحة المرسلة ( راجعة إلى أدلة الشرع ) ([36])

فجمع المصحف دل عليه قوله تعالى :

)إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ( (القيامة:17)


فإن قيل : فلماذا لم يفعله رسول الله r؟ قلنا : لوجود المانع ، وهو أن القرآن كان يتنزل عليه طيلة حياته ، وقد ينسخ الله – سبحانه – منه ما يريد . فلما انتفي المانع ، فعله الصحابة باتفاق ، و النبي r يقول : (( لا تجتمع أمتي علي ضلالة )) .

وتدوين العلم دل عليه قولهr

(( قيدوا العلم بالكتابة )) ([37]) .

وهكذا يرد من مسائل المصالح في كتب الأصول .

وإذا علم ما تقدم فإننا نرجع إلى ذلك التفسير فننقضه بما قرره شيخ الإسلام في فتوى طويلة له يبين فيها أن الشرع لم يغفل وسيلة من وسائل الدعوة التي يهدي الله بها الضالين ، فيقول – رحمه الله تعالى - :

( ... إذا عرف ذلك فمعلوم أنما يهدي الله بها الضالين ، فيقول – رحمه الله تعالى - :

( .... إذا عرف هذا فمعلوم أنما يهدي الله به الضالين ، ويرشد به الغاوين ويتوب به على العاصين : لابد أن يكون فيما بعث الله به ورسوله من الكتاب والسنة ، و إلا فإنه لو كان ما بعث الله به الرسول r لا يكفي في ذلك ، لكان دين الرسول ناقصاً محتاجاً تتمة .

وينبغي أن يعلم أن الأعمال الصالحة أمر الله بها إيجاب أو استحباب . والأعمال الفاسدة نهى الله عنها .

والعمل إذا أشتمل علي مصلحة لم يشرعه ، بل نهى عنه ..

وهكذا ما يراه الناس من الأعمال مقرباً إلى الله ولم يشرعه الله ورسوله فإنه لابد أن يكون ضرره أعظم من نفعه . و إلا فلو كان نفعه أعظم من ضرره لم يهمله الشارع . فإنهr حكيم ، لا يهمل مصالح الدين ، ولا يفوت المؤمنين ما يقربهم إلى رب العالمين ...

فلا يجوز أن يقال : أنه في الطرق الشرعية التي بعث الله بها نبيهr ما يتوب به العصاة .

فإنه قد علم الاضطرار والنقل المتواتر أنه قد تاب من الكفر والفسوق والعصيان من لا يحصيه إلا الله تعالى من الأمم بالطرق الشرعية ) . اهـ. كلامه – رحمه اله تعالى - ، وسيأتي بتمامه إن شاء الله تعالى .

وإذا كان الأمر كذلك – وهو كذلك – فلم يلجأ الداعي إلى وسائل لم ترد في الشرع ، مع أن ما ورد في الشرع كاف لتحصيل الغاية من الدعوة إلى الله تعالى ، وهي تتويب العصاة . وهداية الضلال ؟ !

ومما لا ريب فيه أن الوسائل الشرعية التي هدى الله بها العرب إلى دينه . وهي استقامت بها القرون المفضلة . وهي أساس كل نشأةٍ سلفية على الأرض .

فهي كفيلة بإخراج مجتمعاتٍ تحقق الإسلام كما كان أول الأمر .

ولذا كان الصحابة – y– أحرص الناس على التمسك بهذه الوسائل ، وأشد الناس إنكاراً لما يحدث فيها ، كما هو معلوم من سيرهم وأخبارهم .

وقد قال الإمام أحمد – رحمه الله تعالى – كما في رواية عبدوس بن مالك - :

(( أصول السنة عندنا : التمسك بما كان عليه أصحاب رسول اللهrوالإقتداء بهم . وترك البدع ، وكل بدعة ضلالة )). ا هـ.

وأخرج ابن الجوزي في (( تلبيس إبليس )) ( ص 9 ) ، عن الأوزعي – رحمه الله – أنه قال :

اصبر نفسك على السنة ، وقف حيث وقف القوم ، وقل بما قالوا ، وكف عما كفوا عنه ، واسلك سبيل سلفك الصالح ، فإنه يسعك ما وسعهم )).اهـ.

فإن كان ما وسع أصحاب محمد r في وسائل الدعوة لا يسع بعض المنتسبين إلى الدعوة ، فأحد الأمرين لازم لهم :



أما أنهم أهدى من أصحاب محمد r.

أو أنهم أتو ببدعةٍ مفضلة ... وكلا الأمرين عظيم .

ألا فليسع الدعاة إلى الله – تعالى – ما وسع أصحاب محمد r في تلك الوسائل : فإنهم – y– عن علمٍ يردون ويصدرون .

ويقول ابن مسعود – t- :

(( أيها الناس إنكم ستحدثون ويحدث لكم ، فإذا رأيتم محدثه فعليكم بالأمر الأول )) . رواه الدارمي في (( سننه )) ( 1/56 ) .

وروى عنه – أيضاً – ( 1/63 ) أنه يوصي الرجال والنساء فيقول : (( من أدرك منكم امرأة أو رجل : فالسمت الأول السمت الأول )) وروى الدارمي ( 1/50 ) عنه – أيضاً – أنه قال :

(( إياكم والتبدع ، وإياكم والتنطع ، وإياكم والتعمق ، وعليكم بالعتيق )).

وأخرج ابن وضاح في (( البدع والنهى عنها )) ( ً 2 ) ، عن حذيفة – t - ، أنه قال :

(( اتبعوا سبلنا ، ولئن اتبعتمونا قد سبقتم سبقاً بعيداً ولئن خالفتمونا لقد ضللتم ضلالاً بعيداً ))

ففي هذه الآثار إرشاداً إلى سلوك الجادة عند فشو البدع وظهور المحدثات . وذلك في قول ابن مسعود : (( وعليكم بالعتيق )) ، وقول حذيفة : (( اتبعوا سبلنا )).

فرد الأمور إلى ما كان عليه رسول اللهr وصحابته الكرام هو العاصم من التلطخ بأوضار الأهواء . إذ على أقوالهم وأفعالهم توزن الأقوال والأفعال فما وافقها فهو المقبول ، وما خالفها فهو المردود .

يقول النبي r عن رسم الفرقة الناجية :

(( ما أنا عليه وأصحابي )) . أخرجه الترمذي ، وهو حديث حسن .

ورحم الله عمر بن عبد العزيز – أمير المؤمنين – إذ يقول في وصيته العظيمة :

(( فارض لنفسك ما رضي به القوم لأنفسهم ، فإنهم علي علمٍ وقفوا ، وببصرٍ نافدٍ كفوا ، وهم على كشف الأمور كانوا أقوى وبفضل ما كانوا فيه أولى .

فإن كان الهدى ما أنتم عليه فقد سبقتموهم إليه ، ولئن قلتم ( إنما حدث بعدهم ) : ما أحدثه إلا من اتبع غير سبيلهم ورغب بنفسه عنهم .

فإنهم هم السابقون ، فقد تكلموا فيه بما يكفي ، ووصفوا منه ما يشفى ، فما دونهم مقصر وما فوقهم محسر . وقد قصر قوم دونهم فجفوا ، وطمح عنهم أقوام فغلوا . وأنهم بين ذلك لعلى هدى مستقيم )).

أخرجه أبو داود في كتاب السنة من (( سننه )) ( 5/19 ) ، وابن وضاح في (( البدع والنهي عنها )) ( ص 30 ) والآجري في (( الشريعة )) ( ص 233 )، وأبو نعيم في (( الحلية )) ( 5/338 )

وفي رد بعض المحدثات يقول العلامة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين – رحمه الله تعالى - :

( فلو كان خيراً يحبه الله لسبقنا إليه أصحاب محمد r ، فإنهم كفوا من بعدهم ، كما قالوا : (( اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم )) فإنهم – y– بالخير أعلم ، وعليه أحرص .

فمن ابتدع شيئاً يتقرب به إلى الله لم يجعله الله ورسوله قربة : فقد شرع في الدين ما لم يأذن به الله :

)أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ( (الشورى: من الآية21)

واستدرك على أصحاب محمد r، بأنهم لم يعلموا ما عمله أو أنهم يعملوا بما علموا فلزمه استجهال السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار أو تقصيرهم في العمل .

فهم - y– قد كفوا من بعدهم ،والخير في الإتباع والشر في الابتداع ) . انتهى من (( الدرر السنية )) ( 7/50 ) .

تنبيه مهم :

ثمة أمر يتعلق بأمر المصالح – لا بد من ذكره هنا إذ قد أغفله كثير من القائلين بالمصالح ، ولو التزم بما حصلت تلك الفوضى التي نعيشها الآن في أمور المصالح – ألا وهو : أن تحديد المصلحة في أمرٍ ما ، صعب جداً ، فقد يظن الناظر أن هذا مصلحة وليس الأمر كذلك

ولذا فإن الذي يتولى تقدير المصلحة : أهل الاجتهاد الذين تتوفر فيهم العدالة والبصيرة النافذة بأحكام الشريعة ومصالح الدنيا إذا الاستصلاح يحتاج :

( إلى مزيد الاحتياط في توخي المصلحة ، وشدة الحذر من غلبة الأهواء ، لأن الأهواء كثيراً ما تزين المفسدة فترى مصلحة ، وكثيراً ما يغتر بما ضرره أكبر من نفعه ) ([38])

وفى هذا المعني يقول الشيخ عمر الفارسي في رسالة (( الوقف ))

( وأني للمقلد أن يدعي غلبة الظن أن هذه المصلحة فيها تحصيل مقصود الشارع ، وأنها لم يرد في الشرع ما يعارضها ، ولا ما يشهد بإلغائها ، مع أنه لا بحث له في الأدلة ، ولا نظر له فيها ؟ ! وهل هذا إلا اجتراء على الدين ، وإقدام على حكمٍ شرعي بغير يقين ) ([39]) . ا هـ.

وهذا إنما سقته ليعلم المتجرؤون على الخوض في (( تقرير المصالح )) وعورة ما سلكوه ، وصعوبة ما امتطوه ، فليتخلوا عنه لأهله الأشداء وأربابه الأقوياء.

وبهذا الكلام نكون قد أنهينا الكلام على القول الأول ، وهو أن وسائل الدعوة اجتهادية . وسيأتي – إن شاء الله – إيراد بعض الحجج التي تعلق بها أصحاب هذا القول مع الرد عليها في آخر الرسالة.

القول الثاني :

إن وسائل الدعوة توقيفية ، لا يحل لأحد أن يشرع فيها ما لم يأذن به الله ، وهو ما كان عليه رسول اللهr وأصحابه .

وهذا هو القول الحق الذي شهدت به النصوص ، وقام عليه عمل السلف الصالح ، رضوان الله عليهم أجمعين .

والحجة في ذلك مبنية على المقدمات التالية :

المقدمة الأولى :

أن الله – سبحانه وتعلي – أكمل الدين وأتم نعمته على عباده . كما قال تعالي : ) الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً ( (المائدة: من الآية3)

قال الإمام مالك - رحمه الله تعالي - :

(( من أحدث في هذه الأمة شيئاً لم يكن عليه سلفها فقد زعم أن رسول اللهr خان الدين ، لأن الله تعالى يقول : : ) الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً ( (المائدة: من الآية3)

المقدمة الثانية :

أن الله تعالى أوجب طاعة الرسول r، وعلق سعادة العبد بها ونهى عن معصيته ورتب شقاوة العبد عليها.

:

)وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً( (النساء:69)

وقال تعالى) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً( (الجـن: من الآية23)



المقدمة الثالثة

أن النبي r أمر بكل خير ونهى عن كل شر ، وأحل الطيبات وحرم الخبائث ، كما قال تعالى في صفته :

)ِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ( (لأعراف:157)

وقال تعالى فيهr

) وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ & صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ( (الشورى:52 ،53)


وعن أبي ذر – t – قال :

(( لقد تركنا رسول اللهr وما يحرك طائر جناحيه في السماء إلا ذكرنا منه علماً ))

رواه أحمد والطبراني وزاد :

فقال النبي r:

(( ما بقي شيء يقرب من الجنة ويبعد من النار إلا وقد بُين لكم )).

وفي حديث مسلم من حديث عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – أن النبي r قال :

(( ما بعث الله نبياً إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم )).

وفي بعض ألفاظ حديث العرباض بن سارية أن النبي r قال : (( تركتكم علي البيضاء ليلها كنهارها ، لا يزيغ عنها بعدى إلا هالك )) . رواه ابن ماجة .

وأخرج ابن ماجه - أيضاً –عن أبي الدرداء – tأن النبي r قال :

(( .. وايم الله : لقد تركتكم علي مثل البيضاء ليلها ونهارها سواء ))

واخرج الطبراني عنه – t – أنه قال (( لقد تركنا رسول الله r وما في السماء طائر يطير بجناحيه إلا ذكرنا منه علماً )).

إذا تقرر هذا فإنا نقطع بأن النبي r بين لأمته وسائل الدعوة سواء بالقول أو بالفعل أو بهما إذ كيف يبينr آداب قضاء الحاجة ونحو ذلك ويدعوا وسائل لدعوة التي لا قيام للإسلام إلا بها؟

وبما أنه عليه الصلاة والسلام قد بين ذلك ، فإن بيانهr هو الطريقة الشرعية التي يرشد بها الغاوى ويهدى بها التائه .

وهي الطريقة التي أخرج بها النبي r الناس من الظلمات إلي النور ، وهداهم بها إلي التي هي أقوم . وسلكها من بعده صحابته الكرام وتابعوهم بإحسان وأشتد نكيرهم على من خالفها من الدعاة ، وأحدث فيها .

فليس من سبيل في إيجاد مجتمع كمجتمعهم إلا بهذه الوسائل الشرعية والطرق السلفية ، كما قال الإمام مالك – رحمه الله تعالى - : (( لن يصلح أخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها )).

فالزيادة عليها زيادة في الشرع ،وخروج عن سبيل المؤمنين وقد قال النبي r (( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ))

وأنا أذكر أمرين من وسائل الدعوة – على وجه التمثيل لا الحصر – اشتد إنكار السلف لهما مع ما فيها من النفع . وذلك لأنهما لم يكونا من وسائل الدعوة النبوية ، وإنما أحدثا بعد النبي r ليعلم طالب الحق أن السلف مضوا على القول بتوقيف وسائل الدعوة .

· الأمر الأول : حديث القصاص :

قال ابن الجوزي :

( القاص هو الذي يتبع القصة الماضية بالحكاية عنها ، والشرح لها ، وذلك القصص .

وهذا في الغالب عبارة عمن يروى أخبار الماضين .

وهذا لا يذم نفسه ، لأن في إيراد أخبار السالفين عبره لمعتبر وعظة لمزدجر واهتداء بصواب لمتبع.

وإنما كره بعض السلف القصص لأحد ستة أشياء :

أحدهما أن القوم كانوا علي الإقتداء والإتباع فكانوا إذا رأو ما لم يكن على عهد رسول اللهr أنكروه ) ([40]) .اهـ.

وقال الحافظ زين الدين العراقي – رحمه الله تعالى – في كتابه المسمى : (( الباعث علي الخلاص من حوادث القصاص )) بعد أن ساق حديث العرباض بن سارية المشهور :

فكان مما أحدث بعدهr ما أحدثه القصاص بعده ، مما أنكره جماعة من الصحابة عليهم كما سيأتي .

وفي الصحيحين عن عائشة أن رسول الله r قال :

(( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ))

وروى ابن ماجه في سنده عن عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – قال :

(( لم يكن القصص في زمن رسول اللهr ولا زمن أبي بكر ولا زمن عمر )).

وروى الإمام أحمد والطبراني عن السائب بن يزيد ، قال (( إنه لم يكن يقص على عهد رسول اللهr ولا زمن أبي بكر ولا زمن عمر )).

وروى الطبراني عن عمرو بن زرارة قال :

وقف علي عبد الله بن مسعود وأنا أقص . فقال (( يا عمرو ! لقد ابتدعت بدعة ضلالة ، أو إنك لأهدى من محمدr وأصحابه ) ([41]) . اهـ.

وأخرج ابن وضاح في كتابه (( البدع والنهى عنها )) ([42]) بسنده إلى الضحاك أنه قال :

(( رأيت عمر بن عبد العزيز يسجن القصاص ، ومن يجلس إليهم )).

وفيه – أيضاً – عن همام بن الحارث التيمي قال :

(( لما قص إبراهيم التيمي : أخرجه أبوه من داره ، وقال ما هذا الذي أحدثت ))

وفيه – أيضاً – عن معاوية بن قرة أنه قال :

(( كنا إذا رأينا الرجل يقص قلنا : هذا صاحب بدعة )) . ا هـ.

وفيه – أيضاً – أن عمر بن علاء اليماني سأل سفيان الثوري ، فقال : يا أبا عبد الله أستقبل القصاص ، فقال سفيان : (( ولو البدع ظهوركم ))

فتأمل ما كان عليه السلف من التشنيع علي القصاص والتحذير منهم، وتبديعهم ، جزاء ما أحدثوه في دين الله ، مع أن يقومون به قد يحصل به نفع فيتذكر به غافل ، وينجز به فاسق : لكن لما كان هذا التذكير وهذا الزجر غير واردين في سنة المصطفيr كان ضررهما أشد من نفعهما وكان القائم بهما مبتدع في شرع الله تعالى ([43])

· الأمر الثاني : السماع المجرد :

والسماع المجرد هو : تلحين بعض الصائد ، والترنم بها بقصد إصلاح القلوب ، وهداية الضال ، وجذب المعرض عن الذكر إلى الخير والصلاح .

يقول شيخ الإسلام – رحمه الله تعالى - ، عن هذا السماع :

( فأما سماع القاصدين لصلاح القلوب في الاجتماع على ذلك : أما نشيد مجرد ، نظير الغبار . وإما بالتصفيق ، ونحو ذلك :

فهو السماع المحدث في الإسلام ، فإنه أحدث بعد ذهاب القرون الثلاثة الذين أثني عليهم النبي r حيث قال (( خير القرون القرن الذي بعثت فيه ، ثم الذين يلونهم ))

وقد كرهه أعيان الأمة ، ولم يحضره أكابر المشايخ .

وقال الشافعي – رحمه الله تعالى - :

(( خلفت ببغداد شيئاً أحدثته الزنادقة يسمونه : التغبير ، يصدون به الناس عن القرآن )).

وسئل عنه الإمام أحمد بن حنبل ، فقال : (( هو محدث أكرهه ))

قيل له أنه يرق عليك القلب .

فقال : (( لا تجلسوا معهم )) .

قيل له : أيهجرون ؟

فقال : (( لا يبلغ بهم هذا كله )).

فبين أنه بدعة لم يفعلها القرون الفاضلة ، لا في الحجاز ، ولا في الشام ، ولا في اليمن ، ولا في مصر ، ولا في العراق ، ولا خراسان .

ولو كان للمسلمين به منفعة في دينهم لفعله السلف .

... إلى أن قال – رحمه الله تعالى - :

وبالجملة فعلى المؤمن أن يعلم أن النبي r لم يترك شيئاً يقرب إلى الجنة إلا وقد حدث به ولا شيئاً يبعد عن النار إلا وقد حدث به .

وإن هذا السماع لو كان مصلحة لشرعه الله ورسوله ، فإن الله تعالى يقول :

) الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً ( (المائدة: من الآية3)

وإذا وجد فيه منفعة لقلبه ، ولم يجد شاهد ذلك لا من الكتاب ولا من السنة : لم يلتفت إليه .

قال سهل بن عبد الله التستري :

(( كل وجدٍ لا يشهد له الكتاب والسنة فهو : باطل ))

وقال أبو سليمان الداراني :

(( إنه لتلم بقلبي النكتة من نكت القوم فلا أقبلها إلا بشاهدين عدلين الكتاب والسنة ))

وقال أبو سليما ن – أيضاً - :

(( ليس لمن ألهم شيئاً من الخير أن يفعله حتى يجد فيه أثراً . فإذا وجد فيه أثراً كان نوراً علي نور ([44])

فتأمل أيها اللبيب هذا الكلام ، وانظر فيه بعين الإنصاف ، يتجلى لك ما كان عليه السلف – y– من إنكار كل وسيلة ليس فيها أثر عن رسول اللهr حتى ولو كانت نافعة ، تُلين القلب ، وترغب المعرض عن الحق فيه ... ونحو ذلك من الفوائد : لأننا نقطع بأن النبي r بين لنا كل شيء ولو كانت هذه الوسيلة مصلحة للعباد لما تركها الشارع ، بل لأمر بها أمر إيجاب أو استحباب .

والمؤمن الذي عظمت في نفسه السيرة المحمدية ، ورأى فيها الكمال المطلق : هو الذي يقبل هذا الكلام ، ويسلم به .

أما من انطوت نفسه على غير ذلك ، فهو الذي يبحث عن وسائل محدثة ليتم بها الشرع ، وليكمل بها الدين . فإنا لله وإنا إليه راجعون .

يقول الله تعالى :

)إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ & وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ( (النور:51 ،52 )


وقال تعالى :

) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً( (النساء:61)


إلى قوله تعالى :

) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ( (المائدة:65)

وإذا ذكرنا أمرين مما أحدث في وسائل الدعوة قديماً ، فأنكروها السلف ، فإننا نذكر – الآن – أمرين مما أحدث في وسائل الدعوة حديثاً اشتد نكير علماء السنة أهل الحديث السلفيين لهما ، لما فيها من الابتداع ، والخروج عن منهج رسول اللهr .

· الأمر الأول : التمثيل:

الذي اتخذه بعض الجهال ، أو الضلال وسيلة من وسائل الدعوة إلى الله تعالي .

وقد أنكر(( التمثيل ))جماعة من المحققين ، وكتبوا فيه كتاباً ، وأصدروا فيه فتاوى تقضى بتحريمه وإبطاله .

كما أنكروا إدخاله في وسائل الدعوة إلى الله تعالى لكونه من المحدثات في شرع الله تعالى :

فمن ذلك قول الشيخ حمود بن عبد الله التويجري – رحمه الله تعالى - :

( إن التمثيل في الدعوة إلى الله تعالى ليس من سنة رسول اللهr ولا من سنة الخلفاء الراشدين المهديين ، وإنما هو من المحدثات في زماننا .

وقد حذر النبي r من المحدثات ، وأمر بردها ، وأخبر أنها شر وضلالة .

فمن النصوص الواردة في ذلك قول النبي r :

(( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ، تمسكوا بها ، وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة )) رواه الإمام أحمد .

وهذا الحديث أصل من الأصول في المنع من التمثيل ،ومن إدخاله في الدعوة إلى الله تعالى ، لأنه لم يكن من سنة رسول اللهr ولا من سنة الخلفاء الراشدين .

ومن النصوص الواردة في ذلك – أيضاً – ما جاء في حديث جابر بن عبد الله – t – أن رسول اللهr كان إذا خطب يقول :

(( أما بعد : فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدى هدى محمدr وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة )) .

رواه أحمد ومسلم وابن ماجه ، والدارمى .

وقد رواه بإسناد جيد ولفظه : (( إن أصدق الحديث كتاب الله وأحسن الهدى هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار )).

وهذا الحديث أصل في المنع من التمثيل ، ومن إدخاله في وسائل الدعوة إلى الله تعالى ، لأنه لم يكن من هدى رسول اللهr وإنما هو من المحدثات التي أحدثت في القرن الرابع عشر من الهجرة ...

ومن النصوص الواردة في ذلك : ما جاء في الصحيحين )) عن عائشة رضي الله عنها - ، أن النبي r قال :

(( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد))

وفي رواية لأحمد ، ومسلم والبخاري تعليقاً مجزوماً به :

(( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ))

وفي رواية لأحمد وإسنادها صحيح علي شرط مسلم :

(( من صنع أمراً من غير أمرنا فهو رد ))



وهذه الرواية والتي قبلها كل واحدة منها تقطع دابر الشبه التي يتعلق بها المبيحون للتمثيل ....

وإذا علم هذا فليعلم – أيضاً – أنه لا يمكن لأحدٍ أن يقول أن التمثيل مصنوع بأمر النبي r ، وأنه قد أمر بإدخاله في وسائل الدعوة إلى الله تعالى .

ومن كابر وزعم أنه مصنوع بأمر النبي rوأن النبي r قد أمر بإدخاله في وسائل الدعوة إلى الله تعالى فعليه إبراز الأمر النبوي الذي ينص علي ذلك ، ولن يجد إليه سبيلا ) ([45])



· الأمر الثاني البيعة البدعية عند الجماعات الإسلامية :

وهذه البيعة مما أحدثوه في وسائل الدعوة إلى الله تعالى ، وقد أنكرها جماعة من المحققين وكتبوا فيها كتاباً تقضي بإبطالها ، وضلالتها . فمن ذلك قول الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد – حفظه الله تعالى - :

( ... أما وسيلة محدثة يتعبد بها ، فلا . فمن تلك الوسائل التي تهجن الدعوة وتثير الشغب ، وتجعل الأمة شيعاً ، تلكم البيعة البدعية الممتدة من معين المتصوفة إلى مستحدث بعض الجماعات الإسلامية )) وهكذا الأهواء يجر بعضها بعضاً

وعليه فاعلم أن في الإسلام بيعة واحدة في الإمامة العظمى ، وهي البيعة الجامعة ، تنعقد بموافقة أهل الشوكة والحل والعقد في الأمة .

سواء حصلت تلك البيعة بطريق محبوب إلى الله ورسولهr ، كبيعة الخلفاء الراشدين – y– أو بطريق الغلبة .

وهذه هي التي يحصل بها للإمام ولي أمر المسلمين مقاصد الولاية : القدرة والسلطان ، والشوكة ،والمنعة فيقيم حكم الإسلام ، كإقامة الحدود ، وقسمة الأموال ، ونصب الولاة ، وجهاد العدو ، وإقامة الحج والأعياد ، والجمع والجماعات ، وغير ذلك من مقاصد الولاية المحمودة برسم الشرع .

وما زال أمر الأمة على هذا ماضياً ، لا يعرفون بيعة لمن هو دون مرتبة الإمامة الكبرى .

ثم خلفت خلوف ، وبانت أور جرت على الأمة كباكب من البدع وأهواء ، فجرت بدعة الطرقية (( البيعة الرضائية )) ويقال : (( البيعة الاستثنائية )) ويقال : (( عهد المشايخ )) ، ويقال : (( عقد الطريق )) ويقال :

(( ميثاق الطريق )) وهذه بيعة بدعية محدثة ، لا دليل عليها من كتاب ،ولا سنة ، ولا عمل صحابي .

وقد أنكرها جماعة من العلماء ، وشددوا النكير على فعلتها ، وأنه لا أصل لها .

ثم أنتقلت بمسلاخ آخر إلي بعض الجماعات الإسلامية المعاصرة حتى بلغ الحال إلى وجود جماعات من ورائها عدد من العهود والبيعات في بلد واحد .

وكل واحدة منها تدعو إلى ما هي عليه دون ما عليه الأخرى . فضاع من بينهم الميثاق النبوي لجماعة المسلمين (( ما أنا عليه وأصحابي ))

وهكذا تقطع جسم الأمة الإسلامية بين بيعات طرقية في أجواف الزوايا إلى بيعات حزبية في المواجهة .

وصار الشباب في حيرة إلي أي حزب ينتمي ، ولأي رئيس تنظيم يبايع ... ) ([46])









فصــــــــــــــل

وقد قرر جماعة من أهل العلم والتحقيق : توقيفية وسائل الدعوة وإنها إنما تكون علي منهاج النبوة .

ومن أحسن من قرر ذلك ، وبسطه واستدل له عقلاً ونقلاً : شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى – في جواب سؤال ورد عليه ، وهذا نصه :

سئل شيخ الإسلام عن (( جماعة )) يجتمعون على قصد الكبائر من القتل وقطع الطريق ، والسرقة ، وشرب الخمر ، وغير ذلك .

ثم ن شيخاً من المشايخ المعرفين بالخير واتباع السنة قصد منع المذكورين من ذلك .

فلم يمكنه إلا أنه يقيم لهم سماعاً يجتمعون فيه بهذه النية وهو بدُف بلا صلاصل ، وغناء المغني بشعر مباحٍ بغير شبابة .

فلما فعل هذا تاب منهم جماعة ، وأصبح من لا يصلي ويسرق ولا يزكي يتورع عن الشبهات ، ويؤدي المفروضات ، ويجتنب المحرمات .

فهل يباح فعل هذا السماع لهذا الشيخ على هذا الوجه ، لما يترتب عليه من المصالح ؟

مع أنه لا يمكنهم دعوتهم إلا بهذا ؟

فأجاب :

الحمد لله رب العالمين .

أصل جواب هذه المسألة وما أشبهها : أ، يعلم أن الله بعث محمدr بالهدى ، ودين الحق ، ليظهره علي الدين كله ، وكفي بالله شهيداً . وأنه أكمل له ولأمته الدين ، كما قال تعالى :

) الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً ( (المائدة: من الآية3)

وأنه بشر بالسعادة لمن أطاعه والشقاوة لمن عصاه ، فقال تعالى :

) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً( (النساء:69)

وقال تعالي

) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً( (الجـن: من الآية23)

وأمر الخلق أن يردوا ما تنازعوا فيه من دينهم إلى ما بعثه به ، كما قال تعالى :

) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً( (النساء:59)

وأخبر أنه يدعو إلى الله وغلى صراطه المستقيم ، كما قال تعالى :

)قلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي( (يوسف: من الآية108)

وقال تعالى :

) وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ & صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ ( (الشورى:52، 53 )


وأحب أنه يأمر بالمعروف ، وينهى عن المنكر ويحل الطيبات ويحرم الخبائث . كما قال تعالى :

) وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ&الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ( (لأعراف:156 ، 157)


وقد أمر الله الرسولr بكل معروف ونهى عن كل منكر وأحل كل طيب وحرم كل خبيث . وثبت عنهr في (( الصحيح )) أنه قال :

(( ما بعث الله نبياً إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم )).

وثبت عن العرباض بن سارية قال : وعظنا رسول اللهr موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون قال فقلنا يا رسول الله ! كأن هذه موعظة مودع ، فماذا تعهد إلينا ، فقال :

(( أوصيكم بالسمع والطاعة ، فإنه من يعش منكم بعدى فسيرى اختلافاً كثيراً . فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهدين من بعدي ، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور . فإن كل بدعة ضلالة )).

وثبت عنهr ، أنه قال :

(( ما تركت من شيء يبعدكم عن النار إلا وقد حدثتكم به )).

وقال :

(( تركتكم علي البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك )).

وشواهد هذا الأصل العظيم الجامع من الكتاب والسنة كثيرة وترجم عليه أهل العلم في الكتب : كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة )) كما ترجم عليه البخاري والبغوي وغيرهما ، فمن اعتصم بالكتاب والسنة كان من أولياء الله المتقين ، وحزبه المفلحين ، وجنده الغالبين ، وكان السلف - كمالك وغيره - ، يقولون : السنة كسفينة نوح من ركبها نجا ، ومن تخلف عنها غرق . وقال الزهري : كان من مضى من علمائنا يقولون : الاعتصام بالسنة نجاة .

إذا عرف هذا فمعلوم أنما يهدي الله به الضالين ويرشد به الغاوين ويتوب به على العاصين ولابد أن يكون فيما بعث الله به رسوله من الكتاب والسنة ، و إلا فإنه لو كان ما بعث الله به رسوله من الكتاب والسنة وإلا فإنه لو كان ما بعث الله به الرسولr لا يكفي في ذلك لكان دين الرسول ناقصاً ، محتاجاً تتمة . وينبغي أن يعلم أن الأعمال الصالحة أمر الله بها أمر إيجاب أو استحباب . والأعمال الفاسدة نهى الله عنها .

والعمل إذا أشتمل على مصلحة ومفسدة فإن الشارع حكيم . فإن غلبت مصلحته على مفسدته شرعه ، وإن غلبت مفسدته على مصلحته لم يشرعه ، بل نهى عنه ، كما قال تعالى :

) كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ( (البقرة:216)

وقال تعالى :

)يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا ( (البقرة: من الآية219)

ولهذا حرمهما الله تعالى بعد ذلك .

وهكذا ما يراه الناس من الأعمال مقرباً إلى الله ولم يشرعه الله ورسوله ، فإنه لابد أن يكون ضرره أعظم من نفعه ، و إلا فلو كان نفعه أعظم غالباً على ضرره لم يهمله الشارع ، فإنهr حكيم لا يهمل مصالح الدين ولا يفوت المؤمنين ما يقربهم إلى رب العالمين .

إذا تبين هذا فنقول للسائل : أن الشيخ المذكور قصد أن يتوب المجتمعين على الكبائر ، فلم يمكنه ذلك إلا بما ذكره من الطريق البدعى ، يدل أن الشيخ جاهل بالطرق الشرعية التي بها تتوب العصاة أو عاجز عنها ، فإن الرسولr والصحابة والتابعين كانوا يدعون من هو شر من هؤلاء من أهل الكفر والفسوق والعصيان بالطرق الشرعية ، التي أغناهم الله بها عن الطرق البدعية .

قلا يجوز أن يقال : أنه ليس في الطرق الشرعية التي بعث الله بها نبيه ما يتوب به العصاة ، فإنه قد علم بالإضطرار والنقل المتواتر أنه قد تاب من الكفر والفسوق والعصيان من لا يحصيه إلا الله تعالى من الأمم بالطرق الشرعية التي ليس فيها ما ذكر من الاجتماع البدعى ، بل السابقون الأولون ن المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان – وهم خير أولياء الله المتقين ، من هذه الأمة – تابوا إلى الله تعالي بالطرق الشرعية لا بهذه الطرق البدعية . وأمصار المسلمين وقراهم قديماً وحديثاً مملوءة ممن تاب إلى الله واتقاه ، وفعل ما يحبه الله ويرضاه بالطرق الشرعية ، لا بهذه الطرق البدعية .

فلا يمكن أن يقال : أن العصاة لا تمكن توبتهم إلا بهذه الطرق البدعية بل قد يقال : أن في الشيوخ من يكون جاهلاً بالطرق الشرعية عاجزاً عنها ، ليس عنده علم بالكتاب والسنة ، وما يخاطب به الناس ، ويسمعهم إياه ، مما يتوب الله عليهم ، فيعدل هذا الشيخ عن الطرق الشرعية إلى الطرق البدعية إما مع حسن القصد – إن كان له دين – وإما أن يكون غرضه الترأس عليهم ، وأخذ أموالهم بالباطل ... – إلى أن قال - :

وقول السائل وغيره : هل هو حلال ؟ أو حرام ؟ لفظ مجمل فيه تلبيس ، ويشتبه الحاكم فيه حتى لا يحسن كثير من المفتين تحرير الجواب فيه وذلك لأن الكلام في السماع وغيره من الأفعال على ضربين .

أحدهما : أنه هل هو محرم ؟ أو غير محرم ؟ بل يفعل كما يفعل سائر الأفعال التي تلتذ بها النفوس ، وإن كان فيها نوع من اللهو واللعب كسماع الأعراس وغيرها ، مما يفعله الناس لقصد اللذة واللهو ، لا لقصد العبادة والتقرب إلى الله .

والنوع الثاني : أن الله يفعل على وجه الديانة ، والعبادة ، وصلاح القلوب ، وتجريد حب العباد لربهم ، وتزكية نفوسهم ، وتطهير قلوبهم ، وأن تحرك من القلوب الخشية ،والإنابة ، والحب ورقة القلوب ، وغير ذلك مما هو جنس العبادات ، والطاعات ، لا من جنس اللعب والملهيات .

فيجس الفرق بين سماع المتقربين ، وسماع المتلعبين ، وبين السماع الذي يفعله الناس في الأعراس ، والأفراح ، ونحو ذلك من العادات وبين السماع الذي يفعل لصلاح القلوب ، والتقرب إلى رب السماوات فإن هذا يسأل عنه : هل هو قربة وطاعة ؟ وهل هو طريق إلى الله ؟ وهل لهم بد من أن يفعلوه لما فيه من رقة قلوبهم ،وتحريك وجدهم لمحبوبهم ، وتزكية نفوسهم ، وإزالة القسوة عن قلوبهم ، ونحو ذلك من المقاصد التي تقصد بالسماع ؟ كما أن النصارى يفعلون مثل هذا السماع في كنائسهم على وجه العبادة والطاعة ، لا على وجه اللهو واللعب .

إذا عرف هذا فحقيقة السؤال ([47]) هل يباح للشيخ أن يجعل هذه الأمور التي هي : أما محرمة ؟ أو مكروهة ؟ أو مباحة ؟ قربة وعبادة وطاعة ، وطريقة إلى الله يدعوا بها إلى الله ، ويتوب العاصين ، ويرشد به الغاوين ، ويهدي به الضالين .

ومن المعلوم أن الدين له (( أصلان )) فلا دين إلا ما شرع الله ، ولا حرام إلا ما حرمه الله . والله تعالي عاب على المشركين أنهم حرموا ما لم يحرمه الله ، وشرعوا ديناً لم يأذن به الله ...) ([48]) .اهـ.



هذا ما قرره شيخ الإسلام – رحمه الله تعالى – وهو في غاية الوضوح والصراحة ، إذ حقيقة السؤال الذي وجه إليه :

هل يباح لذلك الشيخ الذي أراد إصلاح أولئك العصاة ، أن يتخذ في سبيل إصلاحهم أي وسيلة تؤدي إلى هذا الغرض :

محرمة كانت .

أو مكروهة .

أو مباحة .

فأقام – رحمه الله تعالى – الحجج على القطع بتحريم أي وسيلة ليست شرعية ثبت أن النبي r استخدمها حتى لو كانت مباحة في أصل الشرع ([49])

وذلك التزاماً بالقاعدة الصلبة عند أهل السنة والجماعة : ألا نعبد إلا الله ، ولا نعبده إلا بما شرع على لسان رسولهr .

وهذا الذي قرره شيخ الإسلام قرره غير واحد من العلماء المحققين .

يقول العلامة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز – حفظه الله تعالى – ( ومن المعلوم أن هذه العوامل قام بها نبينا محمدr في مكة أولاً ثم في المدينة ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا الذي صلح به أولها ، كما ثال أهل العلم والإيمان ، ومن جملتهم الإمام مالك بن أنس قال هذه المقالة ، وتلقاها أهل العلم في زمانه وبعده ، ووافقوه عليها جميعاً : لن يصلح أخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها .

والمعني الذي صلح به أولها ، وهو إتباع كتاب الله وسنة رسولهr : هو الذي يصلح به آخرها إلى يوم القيامة .

ومن أراد صلاح المجتمع الإسلامي ، أو صلاح المجتمعات الأخرى في هذه الدنيا بغير الطريق والوسائل والعوامل التي صلح بها الأولون فقد غلط ، وقال غير الحق .

فليس إلي غير هذا من سبيل ،وإنما السبيل إلى إصلاح الناس وإقامتهم على الطريق السوي ، هو السبيل الذي درج عليه نبينا محمدr ودرج عليه صحابته الكرام ، ثم أتباعهم بإحسان إلى يومنا هذا ) ([50]) اهـ.

وقد قرر هذا الأمر- أيضاً – تقريراً بيعاً الشيخ حمود بن عبد الله التويجري في كتابه (( تحذير العاقل النبيل مما لفقه المبيحون للتمثيل )) وكلامه هنا إن كان خاصاً بوسيلة (( التمثيل ))المحدثة ، إلا أنه يعد تأصيلاً قوياً يرد به كل وسيلة محدثة .

قال – رحمه الله – في الرد علي صاحب رسالة (( حكم التمثيل في الدعوة إلى الله )):

فصل :

ومن زلات صاحب النبذة زعمه في صفحة ( 13 ) أن التمثيل من وسائل الدعوة والتعليم المشروعة .

والجواب على هذه الزلة العظيمة من وجوه :

أحدهما : أن يقال أن المشروع ما شرعه الله في كتابه وعلى لسان رسولهr وليس في القرآن ولا في السنة نص يدل على مشروعية التمثيل ، وحيث لم يكن في القرآن ولا في السنة نص يدل على مشروعية التمثيل فإن دعوى مشروعيته دعوى باطلة مردودة .

الوجه الثاني : أن يقال إن دعوى مشروعية التمثيل دعوى خطيرة جداً لأنها تتضمن الافتراء على الله وعلى رسولهr وذلك من أظلم الظلم وأعظم المحرمات .

الوجه الثالث : أن يقال أن دعوى مشروعية التمثيل تقتضى إدخاله في الدين الذي أكمله الله لعباده ورضيه لهم ، وهذا من الزيادة في الدين والشرع فيه بما لم يأذن به الله وقد ورد الوعيد الشديد على هذا والنص على أنه من الظلم . قال تعالى :

)أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ( (الشورى:21)

الوجه الرابع : أن يقال أن دعوى مشروعية التمثيل تتضمن الطعن على رسول اللهr وعلى أصحابه بأنهم أهملوا أمراً من الأمور المشروعة في دعوة الناس وتعليمهم فلم يعملوا به ولم يرشدوا الناس إليه ، وما أعظم الخطر في الأمور التي تتضمن الطعن على رسول اللهr وعلى أصحابه – y- ، وقد ذكر الشاطبي في كتاب (( الاعتصام )) ما رواه ابن حبين عن ابن الماجشون قال : سمعت مالكاً يقول : (( من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدr خان الرسالة لأن الله يقول :

) الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ( (المائدة: من الآية3)

فما لم يكن يومئذ ديناً فلا يكون اليوم ديناً )) وذكره الشاطبي في موضع أخر من كتاب (( الاعتصام )) ولفظه : قال مالك : (( من أحدث في هذه الأمة شيئاً لم يكن عليه سلفها فقد زعم أن رسول اللهr خان الرسالة )) وذكر بقية كلامه بمثل ما تقدم .

وإذا كان هذا قول ما لم فيمن ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فكيف بمن يرى في بدعة التمثيل التي قد أحدثت في آخر هذه الأمة أنها من وسائل الدعوة والتعليم المشروعة . فهذه المجازفة التي قيلت من غير تثبت ولا تعقل أعظم بكثير مما شدد فيه الإمام مالك – رحمه الله تعالى – فلينتبه صاحب النبذة لما يلزم على هذه الجملة الخطيرة من الطعن على رسول اللهr وليتأمل كلام الإمام مالك فإنه مهم جداً وليتق الله تعالى وليعلم أن الشرع في الدين خطير جداً ، ولا يأمن أن يكون له نصيب من قول الله تعالى :

)أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ( (الشورى:21)

ولا يأمن – أيضاً – أن يكون له نصيب وافر من قول الله تعالى :

) لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ( (النحل:25)

وأن يكون له نصيب كامل مما جاء في قول النبي r (( من دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً )).

رواه الإمام أحمد وأهل السن من حديث أبي هريرة – t- ، وقال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح ، وصححه أيضاً ابن حبان .

وروى الإمام أحمد وأبو داود أيضاً بأسانيد جيدة عن أبي هريرة – t– أن رسول اللهr قال : (( من أفتي بفتيا بغير علم كان إثم ذلك على من أفتاه )).

رواه الحاكم بنحوه وقال : صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي في تلخيصه .

وروى الإمام أحمد – أيضاً – وابن ماجة والدارمي بأسانيد جيدة أن رسول اللهr قال : (( من أفتي بفتيا غير غير ثبت فإنما إثمه على من أفتاه )).

فليحذر المؤمن الناصح لنفسه من التسرع إلى الفتيا بغير علم ، فإن عاقبة التسرع إلى الفتيا خطيرة على أهل العلم ولا يأنف العاقل أن يقول في الشيء الذي يخفى عليه : لا أعلم ، أو لا أدري فقد قال بعض الس
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
وسائل الدعوة توقيفية- الحجج القوية على أن وسائل الدعوة توقيفية 4
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتــــدى أبنـــاء السلــــــــف :: منتدى الحوار الاسلامي-
انتقل الى: